وربما اجتمعت تلك العقوبات العاجلة والآجلة على العبد في عمره كله ، فتراه كثير المحن والفتن ، عظيم البلاء والابتلاء ، لا محبة من الله له ، ولكن عقوبة للسيئ من أعماله وأقواله ، نعوذ بالله من غضب الجبار المنتقم سبحانه .
وأما عقوبات القبر والآخرة فلا ريب أنها مؤجلة للعبد لحين انقطاعه من الدنيا وإقباله على الآخرة ، فأول ما يبدأ به الحساب في القبر وهو حياة البرزخ ، وربما بودر بعذابه قبل وضعه في قبره ، كما قرره كثير من العلماء ، لأن العذاب يشعر به البدن والروح ، والناس لا يرون ذلك ولا يشعرون به ، فلله الحكمة البالغة ، وهو القادر على كل شيء .
الثانية / عقوبات في القبر :
القبر وما أدراك ما القبر ، إنه حياة البرزخ ، وفيه تنعم أرواح ، وتعذب أخرى ، حتى قيام الساعة ، ولا شيء أفظع منظراً من القبر ، ولقد بكى الصالحون قديماً وحديثاً عند ذكر القبر ، ولقد كَانَ عُثْمَانُ بن عفان رضي الله عنه ، إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي ، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ ، فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ " [ أخرجه الترمذي ] .
فعذاب القبر حقيقة لا مراء فيها ، ويشهد لذلك أحاديث كثيرة ، أذكر طرفاً منها للفائدة والعظة ، واتخاذ العبرة :