وتؤكد الروايات التاريخية هذين الأمرين ، ومما أورده المؤرخون ما نقله ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة عن ابن الصابيء : ( أن الحاكم لما بدت عنه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس منه ، وكان له أخت يقال لها ست الملك ، من أعقل النساء وأحزمهن ، فكانت تنهاه وتقول : يا أخي ، احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك . فكان يسمعها غليظ الكلام ويتهددها بالقتل ، وبعث إليها يقول : رفع إلي أصحاب الأخبار أنك تدخلين الرجال إليك وتمكنينهم من نفسك ، وعمل على إنفاذ القوابل لاستبرائها ، فعلمت أنها هالكة ) (1).
ويضيف ابن الجوزي في المنتظم : ( وراسلت ست الملك قائدًا يقال له : ابن دواس ( من شيوخ كتامة ) ، كان شديد الخوف من الحاكم أن يقتله ، فقالت : إني أريد أن ألقاك ، إما أن تتنكر وتأتيني ، وإما أن أجيء أنا إليك فجاءت إليه ، فقبل الأرض بين يديها وخلوا ، فقالت له : لقد جئتك في أمر أحرس نفس ونفسك ، فقال : أنا خادمك ، فقالت : أنت تعلم ما يعتقده أخي فيك ، وأنه متى تمكن منك لم يبق عليك ، وأنا كذلك ، ونحن معه على خطر عظيم ، وقد انضاف إلى ذلك ما قد تظاهر به ، وهتكه الناموس الذي قد أقامه آباؤنا ، وزيادة جنونه ، وحمله نفسه على ما لا يصبر المسلمون على مثله ، فأنا خائفة أن يثور الناس علينا فيقتلوه ويقتلونا وتنقضي هذه الدولة أقبح القضاء . قال : صدقت فما الرأي ؟ قالت : تحلف لي وأحلف لك على كتمان ما جرى بيننا من السر وتعاضدني على ما فيه الراحة من هذا الرجل ، فقال لها : السمع والطاعة ، فتحالفا على قتله وأنهما يقيمان ولده مقامه ، وتكون أنت صاحب جيشه ومديره ، وقالت : اختر لي عبدين من عبيدك تثق بهما على سرك وتعتمد عليهما في مهمك ) (2).
(1) 218) ابن تغرى بردي : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة . ج 4 . ص 186 .
(2) 219) ابن الجوزي : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم . ج 7 . ص 298 ، 299 .