ويروي ابن خلطان عن الحافظ أبي الطاهر السِلَفي (1):
( أن الحاكم كان جالسًا في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته ، فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسلميا ﴾ (2) [ النساء : 65 ] ، والقارئ في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم ، فلما فرغ من القراءة ، قرأ شخص آخر يعرف بابن المشجر ، وكان رجلاً صالحًا ﴿ يا أيها الناس ضرب مثلٌ فاستمعوا له ، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنفذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب . ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزير ﴾ (3) [ الحج : 73 ] .
فلما أنهى قراءته تغير وجه الحاكم ، ثم أمر لابن المشجر المذكور بمائة دينار ، ولم يطلق للآخر شيئاً ، ثم إن بعض أصحاب ابن المشجر قال له : أنت تعرف الحاكم وكثرة استحالاته ، وما نأمن أن يحقد عليك ، وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعد هذا فتتأذى معه ، ومن المصلحة عندي أن تغيب عنه . فتجهز ابن المشجر للحج ، وركب في البحر فغرق ، فرآه صاحبه في النوم ، فسأله عن حاله ، فقال : ما أقصر الربان معنا ، أرسى بنا على باب الجنة ، رحمه الله تعالى ، وذلك ببركة جميل نيته وحسن قصده ) (4).
(1) 112) هو الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي ، بكسر السين وفتح اللام ، ولد في أصبهان سنة 475 على الأرجح وطلب الرحلة للحديث حتى استقر في الأسكندرية . توفي سنة 576 / انظر أبو الطاهر السلفي / د . حسن عبد الحميد صالح .
(2) 113) النساء : 65 .
(3) 114) الحج : 73 .
(4) 115) ابن خلكان / وفيات الأعيان / مجلد ( 5 ) ص 295 .