ويزيد شيخ الإسلام المسألة تفصيلاً وبياناً لبطلان الاستدلال بهذا الدليل فيقول: "لكن في اللفظ إجمال، فإن هذا القائل: ما لا يخلو عن الحوادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، أو ما تعتقب عليه الحوادث فهو حادث ونحو ذلك له معنيان:
أحدهما: ما لا يخلو عن حوادث معينة لها ابتداء . فلا ريب أن ما تقدم على ماله ابتداء فله ابتداء.
والثاني: أن ما لا يخلو عن حبس الحوادث -بحيث لم يزل قائماً به ما يكون فعلاً له كالحركة التي تحدث شيئاً بعد شيء- فهذا لا يعلم أنه حادث أو لم يعلم أن ذلك الحبس لا يكون قديماً، بل يمنع حوادث لا أول لها، وهذه مقدمة مشكلة "(1)، مما أدى بالمتكلمين والفلاسفة أن يستدلوا على ما يتناهى وما لا يتناهى بأدلة التزموا طردها فنشأ عن ذلك مذاهب وطوائف كجهم -الذي يقول بوجوب فناء العالم لوجوب تناهيه أولاً وأخراً، وقال: بفناء الجنة والنار إلى غير ذلك من الأقوال الفاسدة؛ وهذه الإشكاليات لا يتعرض لهما المتكلمون، ويكتفون بالعلم بحدوث ما التزمته الحوادث(2).
ويؤخذ على الحبشي في أدلته العقلية، أنه أراد إثبات وجود الله من خلال الاستدلال بافتقار الكتابة إلى كاتب والنسخ إلى ناسخ، وهذا أمر معلوم الفساد لأن من كتب لم يبدع جسماً، وإنما أحدث في الأجسام تأليفاً خاصاً، وهذا ما يوضحه شيخ الإسلام بقوله: "هؤلاء إنما قاسوا على افتقار الكتابة إلى كاتب، والبناء إلى بانٍ، ونحو ذلك، ومعلوم أن البناء والكاتب لم يبدع جسماً، وإنما أحدث في الأجسام تأليفاً خاصاً، وهو عرض من الأعراض. فكيف يجعل مثل هذا محدثاً للذوات، ويجعل الذي خلق الإنسان من نطفة والشجرة من نواةٍ، إنما أحدث الصفات"(3).
(1) - تلبيس الجهمية لابن تيمية 1/142.
(2) - انظر: المصدر السابق 1/142-143.
(3) - درء التعارض لابن تيمية 3/85.