وماهي إلا أيام قلائل، حتى ينزل المطر الشديد، فتنفجر السماء والأرض ويزحف الفيضان الزاخر، لتتبدل أفراحهم وكمداً ..
ويجعل من شهرهم الروحاني، موسم حرمان قد ترصع، بنقوش النكبة والمأساة .. !
فكم من قتيل طريح، وكم من شريد صائم ... وآخر لم يعد له أثر!!
سوُيت المنازل، وأُهلكت الزروع، وبات رمضان .... حسرةً وبلاء ... !
دمر بيت الرجل كغيره، وفقد بعض صغاره، ولكنه صبر واحتسب، وحمد الله على ما قدر، وجعل يسلي إخوانه وجيرانه، بأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
(57) تمرات متسخات .. !
غاب ضوء الشمس، ولم يبق الا حمرتها الجملية .. !
يلملم أبوعلي متاعه المتغير .. !
وتهيء زوجته الإفطار المكون من تمرات معدودات، وكوب حليب بارد، وشىء من الفاكهة والماء .. !
هل سيؤذن المؤذن. لقد دُمرت المساجد ولا كهرباء .. !
ولا أصوات للإذاعة ... !
وأحيانا ربما أذن بعض أهل الحي، ولكن بلا مكبرات!!
وفي خضم ذلك تأتيهم ضربة طائشة من المحتلين، فتدك بيتهم المتواضع في أطراف بغداد فيصعقون .. !
ويتطاير الطعام، ويفزع الصبية مذعورين ويسلّمهم الله ..
ولم يجد ما بقي من الطعام ... إلا تمرات متسخات .. !
يحملها فيلقمها أبناءه، ثم يفطر على ماكتب الله وقدر ... !