هذا العرض الموجز لطبيعة الأسلوب الدراسي داخل هذه المعاهد، لا نقصد به النقد بقدر ما نقصد به إلى أن يكون مقدمة تفضي إلى نتيجة. والنتيجة التي نريد أن نصل إليها حول واقع الأدب في مصر، هي أن هذا الأدب ليس له مفهوم موحد؛ بل هو مبعثر المنهج موزع الاتجاه، بين عدد من المفاهيم المتناقضة عند عدد من الأنماط المنتجة والقارئة. ومن هنا تنبع الأزمة الحقيقية في حياتنا الأدبية؛ ذلك لأن الإنتاج الأدبي قد تعرض بسبب هذه الحواجز الاتجاهية لمثل هذه الظاهرة الملموسة، وهي أن هذا الإنتاج إذا كان أزهريا مثلا فقد انحصر في دائرة القراء الأزهريين، وإذا كان درعميا فقد انحصر في دائرة القراء الدرعميين، وقل مثل ذلك عن الإنتاج الجامعي بالنسبة إلى خريجي كلية الآداب. وعلى ضوء هذه الحقائق نعرف سر المجال الضيق، الذي يتم فيه مثلا فهم كتاب يحمل قيما أدبية جديدة؛ وكذلك توزيعه، إذا ما أضفنا إلى هذه الحقائق، قلة النسبة العددية لقراء الأدب الجامعيين وغيرهم من أصحاب الثقافة الذاتية؛ حين نذكر إلى جانبهم تلك الكثرة الغالبة من قراء الأزهر ودار العلوم.
إن الأزمة كما قلنا هي أزمة المفاهيم الأدبية غير الموحدة أو أزمة القيم الجديدة التي تعيش اليوم في شبه عزلة، ولن تستطيع أن تبسط نفوذها غدا إلا إذا تغيرت بعض النظم المعهدية على الوجه الذي يشمل المناهج المفروضة والعقول الموجهة. وإذا استطعنا أن نحقق يوما مثل هذه الغاية، فقد حصلنا على نوع من الضمان الفني لمستقبل الأدب، خلاصته أن تتمركز الألوف المبعثرة من القراء في نقطة التقاء، أساسها وحدة الفهم القائمة على وحدة المنابع الثقافية؛ ذلك لأن موجة الركود الأولى التي يظن البعض، أنها نتيجة مباشرة للانصراف عن القراءة، ليست في الواقع إلا نتيجة لتشتت القراء - على كثرتهم - بين طرق مختلفة ودروب متباعدة.
وظاهرة أخرى تسجلها الجولة الدارسة عن مشكلة المفاهيم غير الموحدة، وهي تلك الخصومة الفنية بين شيوخ الأدب وشبابه، وهم هذا الفريق الذي قلنا عنه إنه لحق بالمد التطوري الجديد. إنها خصومة بين نظرتين في الأدب، ترتبط إحداهما بالأمس في خطوات متقهقرة إن لم تكن جامدة، وتتعلق الأخرى باليوم والغد في خطوات متقدمة إن لم تكن زاحفة، ولا مناص بعد ذلك من ثورة الجديد على القديم؛ ذلك لأن الشيوخ - في رأي الشباب ورأي الحق - لا يريدون أن يأخذوا مكانهم في ركب التطور، حتى تندفع القافلة المنتجة في اتجاه فني واحد؛ وتندفع من ورائها القوافل. وما من شك في أن ظاهرة التنافر بين النظرتين في مشكلة الاتجاه، قد أنتجت ظاهرة تنافر أخرى في مشكلة التقييم؛ لأن المفاهيم الأدبية المتطورة عند الشباب، ما تزال تصيب الشيوخ بلون من عسر الهضم التمثيلي، سواء أكانت هذه المفاهيم منعكسة على إنتاج من النقد أو متبلورة في إنتاج من الشعر والقصة، وتبعا لهذا فقلما يظفر ذلك الإنتاج بتقدير معنوي أو مادي، من لجان التحكيم المكونة من الشيوخ في تلك المسابقات الأدبية، التي ترصد لها جوائز الدولة أو مجمع اللغة العربية.
ولا وجه للمقارنة بين خصومة اليوم حول الجديد والقديم، وبين خصومة الأمس حول الموضوع نفسه، وعندما نشبت الخصومة الأخيرة منذ ربع قرن بين الرافعي وطه حسين. إن هناك فارقا كبيرا بين تعارض أفهام وأذواق حول أشكال الأدب ومضامينه، وبين تعارض أفهام وأذواق أخرى، حول أشكال الأدب «وحدها» من ناحية النسب التقييمية. لقد كانت كلاسيكية الرافعي في مقياس طه حسين كلاسيكية شكل أو تعبير، ولم تتعد المعركة بينهما هذا الحد، ولم تخرج في الكثير الغالب عن هذا النطاق، لم يقم الخلاف بين الرجلين وأنصارهما حول المضمون الفكري في ذلك الحين، وإنما قام حول أسلوب الرافعي الذي كان يعتبره صاحبه نوعا من الرصانة التقليدية، ويعتبره الدكتور طه ضربا من الحذلقة الموروثة المجافية لروح العصر؛ لأن مفهوم التطور العصري والأدبي يومئذ كان محصورا في معنيين؛ هما: التحرر من أسر التقليد الأسلوبي، والتزام البساطة والوضوح.