تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما نستعرض النماذج البشرية، التي يتألف منها الكيان الاجتماعي لهذه الأسرة التي بدأت حياتها قبل ثورة 1919، نلمس أن لكل نموذج تركيبته النفسية التي تميزه وتوجه سلوكه حيال الأحداث؛ فالسيد أحمد عبد الجواد، رب الأسرة، شخصية ازدواجية تمثل اتجاهين متناقضين في الحياة؛ فهو من جهة: شعار واقعي لطبقة التجار الميسورين في جيله، وهي الطبقة التي كانت تبحث عن المتعة الروحية والجسدية، وتمزج بينهما مزجا كاملا على ما بين المتعتين من تفاوت صارخ؛ يملك الأذن الحساسة والشعور المرهف، لاستقبال الصوت الإنساني المطرب والنغمة الموسيقية الشجية، ويسعى إلى مجالس الغناء والطرب، ويشارك فيها إذا جاوزت النشوة عنده حدها المعقول؛ وهو من جهة أخرى يضيف إلى هذه المتعة الروحية، متعة أخرى تتركز في اتجاهه الديني الذي يحرص عليه، إلى الحد الذي لا يتصور معه، أن مثله قد يفكر يوما في ارتكاب المعصية، ومع ذلك فهو عبد خاضع يستلذ عبوديته لسلطان الغريزة، بدافع الفتوة الجنسية التي كانت المباهاة، عند أبناء جيل عاش في فراغ هائل من تمثل القيم الإنسانية الرفيعة، كنتيجة طبيعية للحرمان من توجيه الثقافة. وهو، ذلك المرح العربيد خارج بيته، شخصية أخرى تتميز داخل البيت بالجد والوقار والاستبداد والعنف، حتى تحول البيت أمام تقاليده الإرهابية إلى سجن مرهق، قيدت فيه - بالنسبة إلى نزلائه - حرية السلوك والإرادة.

وأمينة - الزوجة - تمثل تركيبة نفسية أخرى، هي تركيبة الأكثرية المطلقة من بنات جيلها المتزوجات؛ إنسانة - تبعا لفهم المجتمع المصري لوضع المرأة في ذلك الحين - لا تصلح إلا للقيام بدورها المصنع الآدمي لإنتاج النسل، والبقاء كل فترات العمر خلف جدران البيت، لتؤدي فروض الطاعة للزوج، على طريقة الجواري المجلوبات من سوق الرقيق.

وياسين - الابن الأكبر للسيد أحمد عبد الجواد من الزوجة الأولى المطلقة - شاب يعيش على هامش الحياة كرمز معبر عن كل النماذج التي عاشت في جيله، ممثلة لتكرارية النسخ العقلية المشوهة، حيث تكتفي هذه النسخ بقسط ضئيل من التعليم، لتواجه به المصير في معركة الحياة؛ وهكذا ورث هذا الابن الأكبر - كاتب مدرسة النحاسين - ورث نظرة أبيه إلى القيم الحياتية، حين تتركز هذه القيم في بؤرة إشباع الغريزة عن طريق السلوك الجنسي، هذا السلوك الذي تلقى فيه ياسين - بحكم قانون الوراثة المزدوج - جانب الاندفاع فيه عن الأب النزق، وجانب الانحطاط عن الأم المطلقة.

وفهمي - الابن الثاني لرب الأسرة، الشاب المثقف طالب الحقوق - هو النموذج الوحيد الذي يمكن أن يتخذ عنوانا ضخما لتلك الانتفاضة العقلية المتوثبة التي وعت سطورها الشبيبة المثقفة، وعكست أهدافها الجارفة على خط السير الكفاحي لثورة 1919. إن صورة هذه الشخصية - كما رسمها نجيب محفوظ - تماما مع طبيعة الدور الذي قامت به: شاب هادئ، متزن، لا يتكلم إلا بحساب، وتحت رماد الهدوء الخارجي، تختفي جمرات تنتظر اللحظة المناسبة، لتبهر بوهجها كل العيون؛ وإنسان يغلف اتزانه بأثواب طبيعية من الطموح الحزين. لم يكن فهمي يعيش من أجل ذاته، ولكنه كان يعيش من أجل المجموع؛ ولهذا علق على صورة سعد زغلول - الرمز الكبير الخالد لكفاح الشعب - علق هذه الصورة على جدران فكره وشعوره. كان يدرك الإمكانيات الرهيبة التي يملكها المستعمر، لمواجهة حركة شعبية عزلاء، يقودها زعيم أعزل؛ من هنا كان الشعور بالحزن. ومع ذلك فقد كان طموحه يتفوق على حزنه، حين يمتلئ أملا في أن تنتصر قوة الحق الأعزل على قوة الباطل المدججة بالسلاح. وفي سبيل القيم الإنسانية الرفيعة التي عاش من أجلها فهمي، لقي بطل «بين القصرين» مصرعه في إحدى المظاهرات التي نظمتها لجنة الطلبة التنفيذية، ابتهاجا بعودة الزعيم من منفاه.

كلمات في الأدب · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ١٥