ترجل عن دابته ودخل قصره مسرعا يحث خطاه ، وما إن سُمع صوت دخوله من باب القصر حتى هب بعض الخدم والموالي المخصصين لمهنة الاستقبال ، وأخذوا عنه جبته وعباءته _كما العادة_ وهم مرهقون حيث إن الوقت متأخر في الليل .
- أيقظوا الحاجب سعيد الآن ، وبلغوه أن يسرج البلقاء ويجهزها فورا ! - حاضر يا سيدي.
وتقافز بعضهم مسرعين لإبلاغ سعيد ، وانطلق موسى إلى جناحه الخاص ، وما إن اقترب حتى رأى الباب يفتح بهدوء ، وإذا "سمية" زوجته وقد أرهقها السهر تتطلع إليه بشيء من الفرح لعودته ..
- سمية .. لمَ لم تنامي إلى الآن ؟ - لم يأتني النوم حتى الساعة .
فسكت قليلا وهي تنظر إليه منتظرةً دخوله :
- سمية .. آ .. آ .. - ما بك يا موسى ؟ لم لا تدخل لتنام فالإعياء باد عليك ؟
وأرتج على موسى .. وساد صمت غريب ..
- موسى .. ما بك ؟ - سمية .. سمية .. آ .. الأوغ .. آ ... - خيرا .. اللهم اجعله خيرا .. - الأوغاد سيسلمون غرناطة غدا للصليبيين ! - ماذا ؟! - نعم حبيبتي سمية .. نعم يا حبيبتي .. انتهى زمن اللهو وحانت ساعة الحقيقة .. هيا أعدي لي لأمتي وسلاحي كما تفعلين دائما ..
فخالجها شعور بالحزن والاعتزاز معا ..
- ولكن .. - أسرعي يا سمية رجاءً .. - ونحن .. هل ستجعلنا لقمة لفرناندو وأتباعه ؟ - لا .. إن مختار يعرف طريقا سهلا آمنا إلى المغرب ، وستخرجون الليلة قبل طلوع الفجر .. قبل الفجر أفهمت يا سمية ؟ - فهمت .. - هيا الآن .. جهّزي اللأمة .
وانسابت دموع دافئة في الليل البارد على وجنتي سمية الورديتين ، فأسرعت بمسحها لعلمها بأنه يكره رؤية الدموع كرها شديدا ، وانطلقت تعد لأمته وهي لا تكاد تدرك دموعها السحّاء ..
وفي أثناء إعدادها ، أراد موسى أن يلقي النظرة الأخيرة على أبناءه ، "محمد" الأكبر ، و "عائشة" الوسطى ، و"سلمى" الصغيرة التي شارفت على إكمال سنة من عمرها .