تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقول: إن فى واقع البشر أن العدوان على الآخرين يكون نتيجة طبيعية للإحساس بالقهر والظلم واليأس من العدل .. وهنا تفقد النفس ضوابطها ولم تعد لديها القدرة على احتمال مزيد من الظلم فيقع الاعتداء .. اعتداء فى صورة قتال أو عنف، أو إرهاب. وهذا ما يحدث فى كل المجتمعات فى واقعنا المعاصر. ولكن محاولة الربط بين ذلك كله والإسلام لأمر قد جانبه كل الصواب والتبست فيه كل المفاهيم الخاطئة.

فالإسلام قد نهى فى آيات كثيرة عن العدوان حتى فى أشد المواقف وأصعبها – فى ساحة القتال – فقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (1) كما أن الله سبحانه وتعالى يحذر المسلمين من أن يحملهم بغضهم لقوم أن يعتدوا عليهم. فيقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ (2)

وإن وقع على المسلمين اعتداء فى حالة رده يشترط المثلية دون تجاوز. فيقول سبحانه: ... ﴿فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ﴾ (3)، ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ﴾ (4).

ولذلك كان القتال فى الإسلام حالة مرتبطة بأوضاع وظروف ليست هلى أصل الحياة.

ويمكن إيضاح ذلك فى الآتى:

أولاً: أن رسولنا محمد (- صلى الله عليه وسلم -) جعل ساحة القتال مجالاً للتحضر الإنسانى فلم يجعل التحريض على القتال لمجرد القتال دون أن يكون هناك مسوغاً شرعياً واجتماعياَ وإنسانياً لهذه الدعوة. ولم يكن القتال أيضاً لشهوة نفس أو لسلطان فى الأرض ولا عقاباً لكفر كافر أو لشرك مشرك. بل يمكن القول أن القتال فى الإسلام ليس من معدن البغى والعدوان وجر الغنائم؛ بل شرع لتمكين الحريات فى التفكير والعقائد والعبادات – حتى ولو كانت لغير الله – وعدم تقييدها وسلبها، ودفع الظلم عن المظلومين والمستضعفين فى الأرض ومنع فتنتهم فى دينهم حتى تنكسر النزعات الإنسانية الذميمة والرغبات الدنيئة من حب استعباد الناس وقهرهم بقوة السلطان.

ولقد جاء محمداً (- صلى الله عليه وسلم -) ليجعل أهداف الجهاد – القتال – مجملة فى أصل واحد وهو ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله﴾ (5).

فالقتال إنما مقصوده الأعلى أن يكون فى سبيل الله، ولتكون كلمة الله هى العليا وليس بطراً ورئاء الناس، حتى تكون بواعثه شريفة وغاياته الإنسانية عالية حتى لقد قال كتاب أوروبا: " إن العالم لم يعلم فاتحاً أرحم من العرب ". (6)

(1) البقرة 190 (2) المائدة 2 (3) البقرة 194 (4) النحل 126 (5) الأنفال 39

(6) الفيلسوف الفرنسى جوستاف لوبن

إن المتأمل للتاريخ يدرك أن المسلمين ما انتصروا من كثرة عدد ولا عدة، ولم يقاتلوا فى معركة وهو أكثر عدداً وعدة من الذين يقاتلونهم - اللهم إلا يوم حنين، حينما غر المسلمين كثرة عددهم وقالوا لن نهزم

أنصر نبيك صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أنصر نبيك صلى الله عليه وسلمص ٣٩