ذلل نفسك بالصبر على جار السوء وعشير السوء و جليس السوء، فإن ذلك ما لا يكاد يخطئك، فإن الصبر صبران: صبر الرجل على ما يكره، وصبره عما يحب، فالصبر على المكروه أكثرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطراً،واعلم أن اللئام أصبر أجساداً؛والكرام أصبر نفوساً، وليس الصبر الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقاحاً؛أو رجله قوية على المشي؛أو يده قوية على العمل، فإنما هذه من صفات الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوباً؛وللأمور محتملاً؛وفي الضر متجملاً،ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطاً؛وللحزم مؤثراً ؛وللهوى تاركاً؛ وللمشقة التي يرجو عاقبتها مستخفاً،وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظباً؛ ولبصره بعزمه منفذاً0
حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه ...
حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه، ويكون هو لهوك ولذاتك وسلوتك وبلغتك، واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع وعلم لتزكية العقول،وأفشى العلمين وأجدهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحرض عليه علمُ المنافع،وللعلم الذي هو ذكاء العقول وصقالها وجلاؤها فضيلة ومنزلة عند أهل الفضل في الألباب.
لا تخبر عدوك بعداوتك له ...
ليكن مما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك أن تعلم أنه لا ينفك أن تخبر عدوك أنك له عدو، فتنذره بنفسك وتؤذنه بحربك قبل الإعداد والفرصة؛فتحمله على التسلح لك وتوقد ناره عليك.
واعلم أنه أعظم لخطرك أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدواً؛فإن ذلك غرةٌ له؛ وسبيلٌ لك إلى القدرة عليه، فإنْ أنت قدرت فاستطعت اغتفاراً لعداوته عن أن يكافيء بها، فهنالك استكملت عظيم الخطر، وإن كنت مكافئاً بالعدواة والضرر فإياك أن تكافيء عداوةَ السر بعدواة العلانية؛وعداوةَ الخاصة بعداوة العامة،فإن ذلك هو الظلم والعار،واعلم مع ذلك أنه ليس كل العداوة والضرر يكافأ بمثلها؛ كالخيانة لا تكافأ بالخيانة؛والسرقة لا تكافأ بالسرقة0