تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فوا عجبا من جد هؤلاء الأغراب في كشف رموز هذه اللغة وإبراز تاريخنا من عالم الخفاء إلى عالم الظهور وتقاعدنا عن مثل هذه الأعمال وغيرها التي نحن أحق بها من غيرنا. (4) العصور

قسم مؤرخو الفرنج العصور إلى ثلاثة أقسام وهي: الأعصار الأولية والأعصار الخرافية والأعصار التاريخية .

أما الأعصر الأولية فهي:

المدة التي ابتداؤها خلق الإنسان وغايتها حادثة الطوفان؛ وذلك أنها عندهم منقسمة إلى فرعين؛ المدة الدنيوية والمدة الطوفانية:

والأعصر الخرافية هي:

المدة التي ابتداؤها تفرق الأمم وتبلبل الألسن وبناء المدن وتأسيس الممالك ببلاد الصين ومصر واليونان إلى ظهور الأنبياء المرسلين والشعراء المشهورين ووضع أساس العالم الدنيوي؛ ولذلك قسمها مؤرخو الأوروبيين إلى أزمان وثنية وأزمان بطلية «نسبة للشجاع البطل» وأزمان نبوية أو شعرية، فأول الأزمان هو الذي كانت فيه مصر واليونان وغيرهما ميالين لترقية ملوكهم إلى رتبة الآلهة، والثاني: الزمن الذي ظهرت فيه الجبابرة الذين شنوا الغارات وأسسوا المدن، والثالث: ظهور الأنبياء الكرام والشعراء المعتبرين كالخليل إبراهيم وموسى عليهما السلام وشعراء اليونان.

وأما الأعصر التاريخية فهي:

الأزمان التي أخذ فيها علم التاريخ في الظهور، وهذه المدة تنقسم إلى جملة أقسام منها المدة التشريعية؛ أي الزمن الذي ظهر فيه المتشرعون كلكورغة في إسبارطة وسولون في أتينا ونوما بومبليوس في روما «ثاني ملوكها» وكونفسيوس ببلاد الصين وغيرهم، ومنها مدة فخار اليونان، ومدة اختلال الجمهورية الرومانية. (5) مصر الأصلية

اعلم أن هذا الوطن العزيز والبلد الأمين الذي حكى الفردوس ماء وزرعا صاحب الخيرات الوافرة والفيض العميم كان فيما سلف من الأعصار خاليا من القرى والأمصار، وكان الوجه البحري الذي هو أبهى وأبهج وأزهى وأزهر الأقاليم المصرية وأعمرها الآن تعلوه المياه، وقد امتدت تيارات البحر الأبيض إلى أمد بعيد، وتلاطمت أمواجه بالسهول المرملة التي بها الأهرام الآن، وكانت مصبات النيل تنتهي إلى قرب منفيس والدلتا مغطاة بعضها بماء النيل والبعض الآخر بمياه الملح وبها بعض جزائر ينبت فيها البردي، والغاب وعلى يمينها وشمالها كان يغير النيل بلا انقطاع مجراه الأصلي، وأما أراضي الشاطئ فكانت جدبة رملية ليس بها ماء ولا زرع ولا نبت ولا ضرع، وما زال حتى عرف الناس حفر الترع وصنع الجسور وتنظيم النيل وحمل مياه الري إلى أراضي الوادي البعيدة، فجاءت مصر بصنع أهلها مملكة مستعدة وأرضا جافة تزرع بعد أن كانت بحورا حرية بالإقلاع، وأوجد النيل أراضي مصر وأخرج لها منظرا عاما يفيض عليه مياهه كل عام، وصار النيل على توالي الأعصار يحمل من أقصى الأقطار وجبال الحبش وبحيرات خط الاستواء رمالا ومواد طينية وجيرية، حتى ارتفعت الأرض وردمت الخليج الذي كان أوجده البحر بالوجه البحري ونشأ من ذلك سهل عظيم به مستنقعات يتخلله برك، ومن بينها يأخذ النيل مجراه على الدوام. ثم تكونت أراضي الدلتا على شكل مثلث رأسه تقرب من منفيس وضلعه الثالث المتعرج المتباعد نحو الستين فرسخا من الرأس، ينتهي بشمال أطلال أتريب «بنها العسل الآن»، ثم بعد ذلك أخذ النيل في ردم الأراضي بطميه، حتى تراكمت في شمال الدلتا، فاندفعت بجملتها في الانحدارات، وما زالت تتسع الأرض كما في أيامنا هذه بما يجلبه النيل شيئا فشيئا من أقاصي أفريقا وأما مدة تكون الأراضي بمصر فمجهولة الحال؛ حيث قال الأقدمون إنها أزمان طويلة جدا، وأما العلماء الحاليون فقالوا إنها تبلغ ثلاث آلاف أو أربعة آلاف سنة.

الفصل الأول

| في تاريخ مصر

اعلم أن تاريخ مصر هو تاريخ أهل الفلسفة والبراعة والقوانين والسياسة، فإن مصر حفظت لرتبتها العلية مدة سبعين قرنا، ولما دخلت تحت حكم الدولة اليونانية والرومانية لم يزل فضلها باقيا؛ إذ فاقت من عداها بقوة العلم.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٨