ولما مات أبوه أرسل إلى عامله بالمدينة بإلزام الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: «إن أجمع الناس على مبايعته بايعته.» وأما الحسين وعبد الله بن الزبير فلحقا بمكة ولم يبايعا، وأرسل عامل المدينة جيشا مع عمرو بن الزبير لقتال الحسين وأخيه، وكان شديد البغض لأخيه، فانتصر عبد الله بن الزبير عليه، وأخذه أسيرا وحبسه حتى مات، ثم ورد إلى الحسين مكاتبات أهل الكوفة بالمسير إليهم ليبايعوه، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل ليأخذ البيعة، وكان العامل على الكوفة وقتئذ النعمان بن بشير، فقيل بايعه ثلاثون ألفا، وقيل ثمانية وعشرون ألفا، وبلغ يزيد عن النعمان بن بشير كلام لا يرضيه فولى الكوفة عبيد الله بن زياد والي البصرة، ورأى ما الناس عليه، فخطب وحث الناس على طاعة يزيد، وقبض على مسلم بن عقيل وأمر بضرب عنقه، ولما بلغ الحسين سار من مكة قاصدا العراق، ووقعت بينه وبين عبيد الله بن زياد حروب انتهت بقتله بأرض كربلاء، وذلك يوم عاشوراء سنة 61ه، وبعثوا برأسه مع أولاده ونسائه إلى ابن زياد، ومنها إلى يزيد، وعلقت على باب دمشق ثم طيف بها في البلاد، وقيل دفنت بعد ذلك بالمدينة، وقيل بعسقلان. ثم نقلها أبو طلائع بن رزبك من وزراء دولة الفواطم وبنى عليها المشهد الحسيني المشهور بالقاهرة، وكان عمره رضي الله عنه خمسة وخمسين سنة، وفي سنة 63ه اتفق أهل المدينة على خلع يزيد، فأرسل إليهم جيشا وردهم عن ذلك ثم حاصروا مكة مدة 40 يوما وارتحلوا عنها حين بلغهم موت يزيد سنة 64ه، وكان عامله على مصر سعيد بن يزيد ابنه. (4-3) خلافة معاوية بن يزيد
وكان شابا دينا، تولى الخلافة ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك جمع الناس، وقال: «قد ضعفت عن أمركم ولم أجد لكم مثل عمر بن الخطاب لأستخلفه ولا مثل أهل الشورى، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا من أحببتم.» ثم دخل منزله وأقام به حتى مات، وأوصى أن يصلي الضحاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة. ولما مات بويع ابن الزبير بمكة، فقصد مروان بن الحكم المسير إليه من المدينة لمبايعته، ثم توجه إلى الشام مع بني أمية، وقيل كتب ابن الزبير إلى عامله بالمدينة أن لا يترك بها أحدا من بني أمية، وهرب عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الشام، وبايع أهل البصرة ابن الزبير وأيضا أهل العراق والحجاز واليمن وأهل مصر، وبايع له في الشام الضحاك بن قيس والنعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث الكلابي بقنسرين، وكاد يتم له الأمر، وأقام مروان بن الحكم بالشام في أيام ابن الزبير واجتمع به بنو أمية، وصار الناس بالشام فرقتين؛ اليمانية مع مروان، والقيسية مع الضحاك مبايعين لابن الزبير، واقتتلوا بمرج راهط، وتمت الهزيمة على الضحاك ومن معه، ودخل مروان دمشق، واستوثق الشام له، وسار فملك مصر، ومات مروان بخنق أم خالد زوجته، ودفن بدمشق، وكان عامله على مصر عبد العزيز بن مروان ابنه. (4-4) خلافة عبد الملك بن مروان 685-705م
بويع بالخلافة يوم موت أبيه سنة 685م الموافقة سنة 66ه، وكان هذا الملك سفاكا للدماء، وهو أول من ضرب السكة في الإسلام، ونهى عن التكلم في حضرات الملوك، وفي أيامه خرج المختار بن عبيد الله الثقفي بالكوفة طالبا دم الحسين في جمع كثير، واستولى عليها وبايعوه بها على كتاب الله وسنة رسوله والطلب بدم أهل البيت، وتجرد المختار لقتل قتلة الحسين، وظفر بشمر بن ذي الجوشن المتهم بقتل الحسين، واستولى على الموصل، وقدم على الجيش إبراهيم بن الأشتر النخعي، وقاتلوا جيش «عبيد الله بن زياد»، وقتل عبيد الله المذكور وانهزم أصحابه، وبعث برأسه وعدة من رءوس أصحابه إلى المختار، وذلك سنة 67ه، وفي هذه السنة ولى ابن الزبير أخاه مصعبا البصرة، ثم سار مصعب من البصرة بعد أن جاء له المهلب بن أبي صفرة من خراسان بمال وعسكر كثير، فسارا جميعا إلى قتال المختار - حيث لم تكن نيته صافية في طلب دم الحسين - بالكوفة، فالتقاهما المختار بجموعه، فانهزم المختار وأصحابه بعد قتال شديد، وحصر في قصر الإمارة بالكوفة، فقاتل المختار حتى قتل. وفي سنة 69ه تجهز عبد الملك إلى العراق وتجهز مصعب لملتقاه، وأقبل الجمعان فتخلى العراقيون عن مصعب، وكانوا قد كاتبوا عبد الملك، فقاتل مصعب حتى قتل، ودخل عبد الملك الكوفة واستوثق له ملك العراقيين، ثم رجع إلى دمشق وحول العمرة من بيت الله الحرام إلى بيت المقدس؛ لحصول الألفة بأهل الشام، ولتتخلى عن الزبير أصحابه. وبعد ذلك جهز عبد الملك الحجاج بن يوسف في جيش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، فسار حتى نزل بالطائف، وجرت بينه وبين أصحاب ابن الزبير حروب، وكانت الهزيمة فيها على أصحاب ابن الزبير، وآخر ذلك أنه حصر ابن الزبير بمكة، ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس بالقرب من مكة، وصار يرمي الكعبة بالأحجار، واستمر ذلك سبعة أشهر، وقاتل ابن الزبير حتى قتل، وبعد ذلك بويع لعبد الملك بالحجاز واليمن، وبعث رأسه إلى عبد الملك، ثم صلب جسده نحو سنة، ثم أنزل بشفاعة أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجعل عبد الملك واليا على مكة والمدينة، وكان الحجاج عنيف السياسة. وفي سنة 74ه هدم الحجاج الكعبة وأخرج الحجر عن البيت، وبنى الكعبة على ما كانت عليه في زمن الرسول