تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعبوره نهر «الجرانيك» سنة 334 ترتب عليه الاستيلاء على المستعمرات اليونانية وواقعة طرسوس أهدته صور وملك مصر، وواقعة إربل - بالقرب من الموصل - سنة 331 قلدته سيادة العالم، وبعد واقعة طرسوس المذكورة ترك دارا واشتغل في تثبيت دعائم فتوحاته وتنظيمها. وأما بعد واقعة إربل تبعه حتى لم يترك له ملجأ في دولته، فكان زحف الإسكندر سريعا جدا، حتى إنه يخيل لنا أن تملكه على العالم كان جزاء له على سيره لا أجرا لما أحرزه من النصر، كما كان يحرز قصب السبق من سبق في ألعاب بلاد اليونان.

فهكذا كان فتح البلاد، فانظر الآن كيف ساسها! لم يطاوع الإسكندر من أراد معاملة اليونان معاملة السادة، والفرس معاملة الأرقاء؛ بل فكر في أن يؤلف بين الأمتين وأن يعدم امتياز الأمة الغالبة على الأمة المغلوبة. وقد ترك بعد الفتح جميع الأوهام والخزعبلات على حالتها وتخلق بأخلاق الفرس وعوائدهم ليرضيهم، وليتقلدوا هم بعوائد اليونان، واحترم غاية الاحترام امرأة دارا ووالدته حين وقعن في قبضته بعد واقعة طرطوس، فأرسل دارا إليه طالبا أن يفدي نساءه بمبلغ وافر وأنه يعقد الصلح معه، ويزوجه بابنته، وأن يجعل صداقها الأراضي الواقعة بين نهري الفرات وبحر الروم، فأجابه الإسكندر أن يسلمه إياهن بشرط إذا جاء بنفسه يطلبهن، فخاف دارا، واستمر حتى ساقه الإسكندر بعد واقعة إربل ثم لم يعلم له أثر بعد ذلك، وقد ذكر المعلم بطرس البستاني في دائرة المعارف أنه مات في السنة الثالثة من حكم الإسكندر.

فاستعمال الرأفة واحترام الديانات واستعمال المشورة في الأمور كل ذلك مما جعل أمة فارس تأسف لفقده، فانظر أيها القارئ - سهل الله إلى نفائس الخيرات طريقك - هذا الفاتح الذي بكت عليه الأمم التي أخضعها بسيفه ورادفها بسهامه، وهذا المغتصب الذي عند موته سكبت عليه العائلة التي اغتصب منها الملك الدموع زفرات وساءهم إعدامه، فتلك آية من آيات حياته ما روى لنا المؤرخون أن أحدا من الفاتحين تباهى بمثلها.

ولما كان يعلم أن لا شيء يؤيد الفتح أكثر من التأليف بين الأمتين تزوج الإسكندر بنساء فارسيات، وأمر معيته كذلك، وقد حزا حزوه بقية أهل مقدونيا، وشيد في بلاد فارس نزلا يونانية وشاد عدة مدن، وأرسى قواعد الدولة الجديدة في جميع أنحائها حتى إنه بعد موته لم ينشر لواء العصيان إقليم بعد طيه، ولكيلا يقلل اليونان والمقدونيين أرسل إلى الإسكندرية طائفة اليهود، ولم يعبث بما اعتادت عليه هذه الأمة ما داموا له من المخلصين، ولم يترك للأمم المقهورة أخلاقهم وعوائدهم فقط، بل ترك لهم قوانينهم المدنية وأيضا ملوكهم وحكامهم الأصليين، وجعل المقدونيين قوادا للجيوش وأهل الشرطة والوطنيين حكاما لجهات الإدارة والقضاء، وكانت ملوك الفرس قد هدمت معابد المصريين وهياكلهم وكذا معابد البابليين واليونان، فأعادها فكأنه لم يفتح أمة إلا ليكون ملكها الخصوصي وليكون أول وطني بها.

وقد جاء بأمرين منكرين وهما حرق مدينة إستخر وقتل «كليتوس» الذي نجاه من الفارسين اللذين قصدا قتله بعد واقعة نهر الجرانيك، إلا أنه ندم على ذلك شديد الندم، حتى إنه أنسى الناس أفعاله القاسية وذكرهم احترامه للفضيلة؛ حيث اعتبرهما من المصائب التي فاجأته في عمره والتي أتى بها من خطأ إرادته.

وكان الإسكندر مغلول اليد في مصاريفه الخصوصية مبسوطها في المصروف العام؛ والدليل على ذلك أنه كان في نظام بيته «مقدونيا» ولدفع ديون العساكر وإخبار اليونان بفتوحاته، وفي إسعاد كل رجل من جنده كان «الإسكندر».

وبعد أن تم فتح ملك فارس دخل بلاد الهند وهزم ملوكها لا سيما بيروس العظيم القدر، ولم توقف سيره الصحاري ولا الأنهار ولا الجبال، إلا أنه اضطر أن يطيع أمر جنده الذين ملوا من الحروب وطلبوا الراحة، واكتفى بترك آثاره الفاخرة على شواطئ نهر آراسب، وعاد بجيشه من طريق آخر، وأخضع جميع البلاد التي قابلته وعاد إلى بابل مهابا محترما، ولكن هذه المملكة الواسعة لم تقم إلا بمقدار عمره القصير ومات وهو في سن الثلاث والثلاثين من عمره، بينما كان متشبثا بأجل المقاصد التي لم يتشبث بها أحد على وجه الأرض بعشم زائد في نجاحها، فاختطفته المنية ولم تتركه زمنا لتثبيت أعماله، وأخلف أخا له مهبولا وولدا رضيعا غير أكفاء للقيام بأعباء هذا الحمل العظيم، ومما عاد على بيته بالشؤم ومملكته بالخراب والدمار أن ترك قوادا عودهم على الحروب والغزوات والطمع، فلا يرجون شيئا سواها. وكان مستشعرا بما سيحصل بعد موته، ومن خوفه أن لا يطاع أمره لم يتجاسر على تعيين خليفة له ولا وصي لأولاده، بل أخبر أن أصحابه سيشيعون جنازته بوقائع سافكة للدماء، وقد رأى في حياته تقسيم مملكته وخراب بيته، وأما مملكته التي ورثها من أجداده منذ أزمان طويلة وهي مقدونيا فقد أغير عليها كأنها ميراث ليس له وارث وحكمتها عائلة غير عائلته، فهكذا تكون حالة الفاتح العظيم الذي ذهب بفضل الشهرة، وأن يكون آخر ملوك عائلته، فلو أنه قعد في مملكته ساكنا فما كانت مملكته تقسمت بين ضباطه وكان ترك مملكة آبائه لأبنائه، ولكنها لما كبرت واتسعت كان سببا في زوال ملكه الخاص، فتلك ثمرة كثرة الفتوحات والغزوات.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٤٤