وقد كان نزول القوم الفلسطينيين المذكورين سببا في تبديل أحوال العلائق التي كانت بين بني إسرائيل والفنيقيين في ذلك الوقت، وذلك أن الإسرائيليين في أول مبادئ فتحهم لبلاد الشام كانوا أعداء للصيداويين، كما كانوا كذلك بالنسبة لسائر الأقوام الكنعانيين، ثم لما رأى بنو إسرائيل والفنيقيون أن القوم الفلسطينيين قد شنوا الغارة عليهم دفعة واحدة وظفروا بهم، فخوفا من أن يستولوا عليهم ويستعبدوهم استعبادا مخلدا تمكن في أذهان الطرفين شدة لزوم عقد محالفة بين الجانبين، وكان الملك «هرام» الثاني ملك صور معاصرا لسيدنا داود عليه السلام ملك اليهود، فبعث إليه رسلا من طرفه عقدوا معه عقد محبة بين الملكين المذكورين، ثم تفرغ الملك هرام إلى بناء الهياكل والمعابد والقصور بمدينة صور وغير ذلك، فبينما كان ملك صور المذكور مشتغلا بهذه الأعمال النافعة العظيمة؛ إذ توفي داود وخلفه على سرير الملك ولده سليمان عليهما السلام، فبادر ملك صور وهو هرام بأن بعث إلى القدس الشريف سفارة لقصد تهنئة ولد حليفه على تقليده بملك بني إسرائيل، وكان داود قد عهد قبل وفاته إلى ولده سليمان بأن يبني هيكل بيت المقدس لعبادة المولى سبحانه وتعالى، فطلب هرام لمساعدته، وتعاهدا على أن يعملا بمصاريف مشتركة، وذلك سنة 1018ق.م، ولما مات هرام المذكور خلفه ملوك لا فائدة في ذكرهم بالنسبة لعلم التاريخ. (4-3) تأسيس مدينة قرطاجة
ولما مات «ماتان» ثالث ملوك هذه العائلة كان قد خلف اثنين، أحدهما ذكر يبلغ من العمر 12 سنة يدعى باسم «بيجماليون»، والثاني أنثى كانت أكبر منه سنا تسمى «ألياسار»، وكان أبوهما قد عهد إليهما بالاشتراك في الحكم، وكان عوام الرعية يرغبون في تغيير صورة ولاية الأمر الفنيقية من هيئة الحكومة الملوكية ويبدلونها إلى هيئة دولة أهلية، فأثاروا فتنة داخلية، وولوا على سرير المملكة الصورية بيجماليون وحده دون أخته، واتخذوا له مجلس شورى من أرباب المناصب الدولية المساعدين على هيئة الدولة الأهلية، وبذلك خرجت أخته من حق المملكة، فما كان منها إلا أن تزوجت برئيس طائفة خدمة المعبود «ميلكارت» المدعو «زيشاربعل»، فقتله بيجماليون المذكور؛ إذ كان يرى أنه مزاحم له على سرير المملكة، فتعصبت «ألياسار» مع جم غفير على عزل أخيها، فقويت الفتن واشتدت المطاعنة للحصول على الغرض المذكور، فلم ينجح سعيهم بمدينة صور، فصمموا على الخروج من ديارهم الصورية استنكافا من أن يبقوا فيها تحت ذل العصبة الأهلية، واستولوا على السفن المتجهزة للإقلاع على حين غفلة، وركبوا فيها وسافروا في البحر تحت قيادة «ألياسار»، وساروا حتى نزلوا بساحل أفريقا، واختطوا هناك مدينة قرطاجة «لعلها الآن تونس»، وذلك سنة 869ق.م، وصارت هذه المدينة قرينة «روما» الكبيرة - كما سيأتي - وسميت «ألياسار» المذكورة باسم ديدون (أي الهاربة باللغة الفنيقية، ومعنى قرطاجة المدينة الجديدة).
وبعد ذلك استمر ملوك صور مدة من الزمن في حروب بينهم وبين ملوك آشور إلى أن وقعت فنيقيا وما جاورها من المدن في قبضة الآشوريين، أما مدينة صور بعد أن حاصرها بختنصر ملك بابل مدة 13 سنة ودمر جزءا منها، انتقلت على جزيرة صغيرة مجاورة للساحل، إلا أنها لم تقدر على إعادة مجدها القديم، ثم وقعت مملكة فنيقيا بعد ذلك في حوزة فرعون مصر «واح أبرع»، وبعده دخلت ضمن مملكة فارس أيام قمبيز ملك العجم. (4-4) الأراميون
كان الأراميون الذين هم من بني سام ساكنين من منذ الأزمان الغابرة شمال سوريا الممتدة من جبال لبنان لغاية نهر الفرات، ولم ير في التاريخ ما يدل على أنها انضمت إلى بعضها، بل بقيت فروعها متفرعة، كل فرع قائم بذاته، وسنقص بالذكر أشهر هذه الفروع؛ كان الخيتاسيون أحد فروعها، وهي التي تلفت من القوى أقصاها، ومن الصولة أعلاها، حتى اقتدرت بما لها من قوى وعزائم وجليل الهمم على مكافحة فرعون مصر خصوصا رمسيس الثاني صاحب الفتوحات الباهرة، ومن أشهر مدن سوريا مدينة دمشق التي بعد أن انفكت من أسر الإسرائيليين ارتقت إلى درجة سامية من العز حتى صارت قاعدة مملكة شهيرة لها شأن عظيم في التواريخ، ومع كل ذلك لم نجد نصوصا تاريخية تدل على أن بلاد سوريا توحدت فيها الكلمة، بل توالت عليها القرون وهي متجزئة بين ساكنيها، وهذا التفرق وعدم توحيد الكلمة بين أهلها أضعف شوكتها، وبذا لم تتمكن من مصادمة هجمات الفاتحين العديدين الذين ساروا بالتعاقب على بلاد سوريا الغربية على ممر الأعصار، وبعد أن تعاقب عليها المصريون والآشوريون والبابليون انتهى أمرها بالدخول ضمن مملكة الفرس، واشتهرت على من جاورها من الممالك. (5) في تاريخ العبرانيين