شخصية أبي العلاء الواعظ
إذ تبدو للناظر في آثاره التي جاءتنا، أو التي سيق إلينا خبرها ووصفها - وإن لم نرها - شخصية خطابية قد عنيت بالخطابة الدينية الواعظة المستهوية، بل كادت عنايتها بهذه الناحية من الخطابة الدينية، تستأثر بالثمار الأدبية كلها لفن أبي العلاء، وليس عجيبا أن نتحدث عن شخصية الواعظ في رجل قد اتهم في دينه، وجرت كلمات الأجيال المختلفة فيه بلون ما من هذا الاتهام، وشغل الناس من نفسه بتلك الناحية دون غيرها، أو أكثر من غيرها، ليس عجيبا أن نتحدث عن شخصية الواعظ في رجل هذا شأنه؛ لأن مادة هذا الحديث وعناصر تلك الحقيقة في أيدينا مهما يهمل القدماء أو المحدثون التعرض لها. فهذا أبو العلاء يقول عن نفسه في التأليف: اجتهدت على أن أتوفر على تسبيح الله وتمجيده إلى أن اضطر إلى غير ذلك فأمليت أشياء.
7
فكان التأليف المحبب له أو الذي اختار أن يقف قلمه عليه، هو التسبيح والتمجيد لله، وهو ما دعوناه وعظا أو خطابة دينية لا لهذا القول فحسب، بل لأن حريدة كتبه كما ساقها المؤرخون ووصفوها تفسر ما يعنيه بالتسبيح والتمجيد؛ فكتاب الفصول والغايات، وهو - كما وصفوا - سبعة أجزاء في مائة (100) كراسة إنما هو في المواعظ. وفي القدر الذي نشر منه مثل صادق لهذا الوعظ الاستهوائي الذي أشرنا آنفا إلى أن أبا العلاء يفقد فيه سمة الباحث والمفكر، ويلبس رداء الوعاظ، فيصدر عنه ما سمعنا من حديث عن قدرة الله، ذلك الحديث الذي ينفي فيه الأسباب، ويجيز للقدرة تناول المستحيلات، ويضطرب تقديره للمستحيلات العقلية والعملية على ما أشرنا إليه في موضعه، (انظر ص114 وما بعدها)، وكتابه الذي يسمونه «الأيك والغصون»، ويذكرون أنه اثنان وتسعون جزءا - وقد يزيدونه على ذلك - في ألف ومائتي كراسة (1200) إنما هو في العظات وذم الدنيا، وكتاب «تضمين الآي» في أربعمائة (400) كراسة، إنما السبب في تأليفه أن بعض الأمراء سأله أن يؤلف كتابا برسمه، ولم يؤثر أن يؤلف في غير العظات والحث على تقوى الله فأملى هذا الكتاب. وكتابه سيف الخطبة إنما هو ديوان خطب منبرية يشتمل على خطب السنة، وفيه خطب للجمع والعيدين والخسوف والكسوف والاستسقاء ... إلخ. وهو جزءان في أربعين (40) كراسة ،
وكتابه «تاج الحرة» في عظات النساء خاصة نحو أربعمائة كراسة (400)، كما ذكروا له في ذلك كتاب «رقعة الواعظ»، وكتاب «سجع الحمائم»،
تكلم فيه على ألسن الحمائم في العظة، وهو أربعة أجزاء في ثلاثين كراسة (30)، وكتابه «المواعظ الست» نحو خمس عشرة كراسة (15)، «وكتابه السجعات العشر» على كل حرف من المعجم عشر سجعات، كما أن له رسالة على لسان ملك الموت
8
ونحو ذلك من آثار خطابية وعظية الروح، وهي مع أقواله في التأليف مما يكفي للحكم بأن له شخصية واعظة قد عنيت بالخطابة الدينية عناية لا يقبل من الباحث إهمال دلالتها على خصائص في فن الرجل وأدبه حين ننظر - كما هو المنهج السديد - في هذا الفن وذلك الأدب على أنه وحدة متماسكة وكل متصل الجوانب. •••
فأبو العلاء قد عني بالخطابة الدينية هذه العناية الواضحة، وهي إنما تقوم على المقدرة الاستهوائية والبراعة الخلابة التي تستطيع تزيين الشيء والتحبيب فيه، وتقبيحه والتنفير منه، وهو ضرب من القول في المحاسن والأضداد، أو المحاسن والمساوئ الذي عرضنا لذكره كي نعرض عليه تقابل آراء أبي العلاء، ونلتمس فيه تعليلا كافيا لها، ومن أجله أشرنا تلك الإشارة العارضة إلى شخصية الواعظ في صاحبنا، وليس بعيدا أن تكون معاناة هذا الأدب الخطابي بعد اتجاه نفس الرجل إليه، واجتهاده في قصر نفسه عليه ما لم يضطر إلى غيره اضطرارا ليس بعيدا أن يكون ذلك كله سببا لشيء من القول المتقابل أو المتغاير الذي نجد في ثبت المؤلفات نفسه شاهدا عليه إن نسينا ما سبق من شواهد هذا التقابل على كثرته، وما نجده من التقابل في ثبت المؤلفات هو ما ذكروه في جريدة تلك المؤلفات من أن أبا العلاء ألف كتابا اسمه «شرف السيف» لرجل بدمشق كان يوجه إليه بالسلام، ويخفي المسألة عنه، فأراد جزاءه على ما فعل فألف له هذا الكتاب.