أنها جعلت بعد الجملة وتكملتها ما سمته الأساليب (ص10)، ورأت أن توجه العناية في درس هذه الأساليب إلى طرق الاستعمال لا بتحليل الصيغ (ص11)، وقد يفهم هذا فيما مثلت به من التعجب والتحذير والإغراء، ولكنها جعلت من الأساليب الاستثناء (ص13)، فكيف يدرس هذا الاستثناء بطريق الاستعمال، وأدواته: أفعال وأسماء وحروف، وأحكام كل منها - كما نعرف - كثيرة منتشرة لا يأتي عليها عرض، بل هو - إن كان - يتسع اتساعا، خير منه درس الأحكام، وكذلك لا تغني هذه الشكلية في علاج صعوبة ليست في صناعة النحويين، بل في بناء اللغة نفسها، وفي سعتها، وفي أشياء أخرى من طبيعتها، هي التي نعرض لأهمها حين نتحدث عن: (9) صعوباتنا اللغوية اليوم
ونكرر الإشارة هنا إلى أهمية العامل الاجتماعي في تخفيف هذه الصعوبات، أو في زيادتها أحيانا، وقد تنبهت اللجنة إلى هذا العامل، وأشارت إليه على ما مر، ونكرر هنا موعدتنا بأن نجعل هذا العامل الاجتماعي موضع البحث، حينما نعرض لدراسة المنهج النحوي نظريا وتاريخيا.
أما هنا، فهدفنا - كما قلنا - عملي قريب، ولجنة التيسير قد قدمت بين يدي اقتراحاتها ما رأته أساس الصعوبة في النحو، ولكني أخرت الحديث عن رأيها في ذلك إلى ما بعد النظر في قراراتها، ليسهل تقدير نظرها في هذه الصعوبات، بعد فهم مدى تيسيرها وأثره.
وعند اللجنة: أن أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء:
الأول:
فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا، ويسرفوا في الافتراض والتعليل.
والثاني:
إسراف في القواعد، نشأ عنه إسراف في الاصطلاحات.
والثالث:
إمعان، في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب. (ص5-6).
وننظر في هذه الأسباب، فنجد أن: فلسفة القدماء في النحو لها نظائر في الدراسات اللغوية عند الأمم المختلفة، وليس العيب في التفلسف، وإنما العيب أن يكون التفلسف، في الكتب المدرسية التعليمية، على أنا مع هذا قد رأينا أن ما برمت به اللجنة من آثار هذه الفلسفة لم يكن موضع عناية، وكانت ملاحظة حازمة من أحد المفتشين تكفي في وقاية شره، كما أشرنا في الإعراب التقديري والمحلي، وألقاب الحركات، وما فيها من مظاهر هذه الفلسفة.
وأما الإسراف في القواعد وما نشأ عنه من إسراف في الاصطلاحات، فقد رأينا من اقتراحات اللجنة نفسها أن الذنب فيه ليس ذنب النحويين، لكنه شيء اقتضته أو اقتضت أكثره طبيعة اللغة وسعتها، وأشياء في كيانها، نوفيها في البحث النظري بعد، وآية ذلك ما رأيناه من عدم استطاعة اللجنة نفسها التخلص من شيء يذكر في هذه الاصطلاحات، إلا بترك الموضوع وإغفال واقع اللغة ونقص ما يعرفه منها المتعلم.
وأما المباعدة بين النحو والأدب، فشيء يتصل بطريقة الدرس وخطته الفنية، ويكفي فيه - كما أسلفنا - توجيه حازم من الرقابة على المدرسين، ثم إن الوصل بين النحو والأدب لا يؤثر في كثرة القواعد، ولا في تشعب الاصطلاحات، وإن هون في تجرعها، وخفف بعض وقعها على المتعلمين، لكن الأزمة بعد ذلك كله باقية. •••
والذي يبدو لي أن اللجنة بعدما بدأت في تقريرها بالنظر إلى الناحية الاجتماعية والاهتمام بها عادت إلى صعوبة النحو في القواعد وفي المعلمين، تاركة الحياة الواقعة وأثرها في ذلك كله، ولو ظلت تنظر إلى المشكلة من حيث صلتها بالحياة لرأت - فيما أرجح - غير هذه الأسباب، ولبدا لها أن أسباب هذه الصعوبات في الحقيقة إنما هي ثلاثة أخرى:
الأول:
أننا نعيش بلغة غير معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغة معربة، وافرة الحظ من الإعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم لغة أجنبية وصعبة؛ إذ إننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر مثقفونا بهذه العامية، ثم ها هي ذي العامية تتابع زحفها الجريء على مجال حياة تلك الفصحى، فقد اعترف بها رسميا في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة، كما قبلت على المسرح، وهي بهذا ومثله من الانتصار المتصل تحرج العربية وتنفث حولها جوا نفسيا وعمليا مسمما.