وإذ ذاك يجب أن تقوم بهذا الدرس الوحدة المختصة به، وأن يلتمسه أصحاب الأدب عند أهله كاملا دقيقا، مفصلا عميقا. ففيما حول الأدب يجب أن نعرف الشعب الذي سكن تلك البيئة عن طريق دراسة جنسية شعبية مفصلة، وندرس البيئة المادية دراسة إقليمية مفصلة كذلك، على أن نطلب ذلك كله عند أصحابه، والمتفرغين له، من المتصدين للدراسة الجغرافية وما إليها، لا أن نقوم به على صورة ناقصة وتناول قاصر؛ لأن أصحابه الأولين قد شغلوا عنه بغيره من دراسة أوروبا وأمريكا، في انصراف عن الواجب القومي، الذي ينبغي أن يحكم في البرامج والدراسات، لتكون كلية الآداب في مصر مصرية لمصر قبل كل شيء آخر، بل دون شيء آخر لو أمكن ذلك.
وفيما حول الأدب يجب أن نعرف البيئة المعنوية في مظاهرها المختلفة التي بيناها في الخطوة الثانية من معالم المنهج، فتعرف أكثر ما يمكن أن يعرف عن الحياة العلمية في فروعها المختلفة. فالحياة الفنية في ألوان الفنون المتعددة، والحياة الاجتماعية بأوسع ما تشمله من نشاط المجتمع، فرديا، أو أسريا، وجماعيا، واقتصاديا، أو سياسيا وعمليا ... إلخ. على أن نطلب ذلك كله كذلك عند المختصين به والمتفرغين له، من أصحاب الدراسة التاريخية وما إليها، لا أن نقوم به نحن بصورة ناقصة، وتناول قاصر، كالذي وصفناه في الدراسة الجغرافية؛ لأن أصحابه الأولين قد شغلوا عنه بغيره من دراسة، أو قد تناولوا منه جوانب وأهملوا جوانب. فإذا ما تيسر لطلبة الأدب أن يقصدوا إلى قسم الجغرافيا وإلى قسم التاريخ وإلى غيرها من الأقسام، أو أن يتفضل عليهم أساتذة هذه الأقسام، بما فيه وفاء حاجتهم من هذه المواد التي لا بد منها ليستطيعوا التقدم إلى فهم النصوص الأدبية، التي هي - كما قلنا - لون من الفنون لا تفهم إلا بعد فهم ما سواها؛ إذا ما تيسر ذلك كانت الكلمة للواجب القومي، وكانت المنفعة العلمية الموجودة قريبة التحقق.
وبعد الإلمام بهذا يتقدم أصحاب الأدب لفهم النصوص الأدبية بعد جمعها المستوعب الشامل، على أن يتأثلوا ما لا بد منه لهذا الفهم من خبرة بالنفس الإنسانية، يلتمسونها كذلك عند أهل هذه الدراسة المختصين بها، وهنا نشعر أنه لا بد أن يدرس قسم الفلسفة دراسة نفسية وافية، يكون من بين فروعها علم النفس الأدبي، الذي وصفنا ما نحتاج إليه منه، في الحديث عن البلاغة وعلم النفس، أو الأدب وعلم النفس، والتفسير وعلم النفس، فإذا ما ظفروا بذلك كله على وجه مرض من مقاومة وحدات الجيش العلمي، كان العنصر نصيب هذا الجيش المتماسك الموحد، الذي يصوب إلى هدف واحد، هو رفع مستوى حياة وطنه وإقليمه الذي هو أعرف الناس به، وأقدر الناس على فهمه، وأعظمهم واجبا أمامه، وأوفاهم بحقه عليه.
ومن فهم الأدب بهذه الوسائل كلها استطاع بلا مراء أن يؤرخ الأدب هذا التأريخ المرجو، الذي حدثنا عنه من قبل، فوصف سير الحياة الأدبية، وأثر النواميس الكونية فيها وصفا دقيقا صحيحا جديرا بأن يسمى تاريخ الأدب، ويقسم أقساما وأدوارا على أساس مفهوم سليم، لا يؤخذ عليه شيء مما أخذناه على التقسيم الزمني السياسي الذي لا وجه له، ولا دلالة فيه، إلا على أيسر العوامل تأثيرا في حياة الأدب والأدباء. •••
ولا يحسبن أبناء الشرق الذين هم أحوج الناس اليوم إلى التواصل والتعاون، أننا بهذا التوزيع العلمي الذي تلزمهم فيه بيئتهم، نقطع عليهم طريق هذا التواصل والتعاون في درس البيئات، كلا؛ فقد بينا لهم في الخطوتين السابقتين من معالم هذا المنهج، أن منهما ما لا يقوم إلا على التعاون، كدراسة الجزيرة العربية، ومنهما ما يتحقق به التعاون المثمر بين وحدات قوية الشخصية، واضحة الشعور بنفسها. وقد تكرر هذا المعنى وبين في الخطوة الثانية، بما أصبح القول بعده ملتحقا باللغو العابث.