| كيف ندرس الأدب المصري؟
(1) أدب وتاريخ أدب
كان القدماء يدرسون المتن الأدبي من النثر والشعر على النحو الذي نعرفه، فيخدمونه لغويا، ونحويا، وبلاغيا ، وبعد تفهمه باستخدام هذه المواد وما إليها؛ يتذوقونه، وينقدونه على هدى هذا التذوق الفني، وكذلك فعلوا في كتب الأمالي والمجالس، أو في كتب الموازنة والنقد. وأثناء هذا الدرس كانوا يوردون ما لا بد منه لفهم النص من خبر أو قصة، يتم بها فهم ملابسات المتن. وجوه الزمني أو المكاني أو النفسي، الذي يزيد فهمه وضوحا وبيانا، فكانوا يدرسون مع المتن «ما حول المتن» من هذه المبينات، كما نراهم في جمع دواوين الشعراء، يوردون في ثنايا القصائد ما لا بد منه من ذلك، فيذكرون زمن القصيدة وسببها ومن قيلت فيه، وما قيلت فيه، ويستوفي شراح الدواوين ما وراء هذا من بيان ذلك الجانب الذي سميناه «ما حول النص».
تلك هي دراسة الأدب، أما ما بعد ذلك من تاريخ الحياة الأدبية جملة، والنظر فيها من هذا الجانب نظرا مفردا، وتبين خطى سيرها ونظام تنقلها، فذلك ما لا نعرف لهم فيه البحث المفرد ولا العناية الواضحة. ولعل ذلك لما كان يطمئن إليه العقل إذ ذاك في فهم التاريخ وتصوره مقصورا على التاريخ السياسي، بأخص معناه، وإدارة الحياة على الحكام وعهودهم وولاياتهم ووفياتهم، وما يتصل بهذا.
ولما تقدمت الفكرة في درس التاريخ، وبدا للمفكرين أن جوانب الحياة المختلفة تستحق من الدرس المفرد ما تستحقه الحياة السياسية أو أكثر منه، كانت ظواهر الحياة الأخرى موضع التاريخ المبين لأدوارها وخطاها في نظام لا تضبطه سنون الحكام، ولا أسماء الدول، وألقاب الأسر. فالحياة الاقتصادية مثلا لها سيرها الذي يؤرخ في جوه ومؤثراته دون وقوف عند السياسة، ولا ضبط لمعالم مسير هاتيك الحياة الاقتصادية بعصر فلان أو حكم فلان. وكذلك الحياة الدينية مثلا، ومن تلك الجوانب في حياة الجماعات، حياة الفنون بعامة، وحياة الأدب بخاصة. وهكذا ظهر تاريخ الأدب وقسم، وتقدم به الزمن فارتقى، وخدم بما لا بد منه من النظر في المؤثرات على تلك الحياة الأدبية والفنية، وانتقل ذلك فيما انتقل إلى الشرق المتأثر بنهضة الغرب، فكان لنا تاريخ للأدب العربي، يتقسم عصورا وعهودا لا يعنينا هنا أن تكون قد ضبطت بما يصح ضبطها به، أو بما لا يصح به ذلك، كالسياسة في معناها الساذج مثلا.
1
وإذا كان في ذلك من الأخطاء ما فيه، فإنما تعنينا الإشارة هنا إلى أننا ذهبنا في دراستنا الثانوية أو العالية على السواء، نصف تلك العصور أوصافا مجملة جامعة شاملة، دون أن نبذل ما يجب من جهد لدرس الأدب، أو الحياة الأدبية في هذه العصور. فالعصر العباسي مثلا أو الأموي، أو ما لقبوا من ذلك، توصف فيه حياة الشعر وفنونه، أو حياة النثر - حينما يريدون بالأدب العربي معناه الخاص - ولكن كيف استقامت هذه الأوصاف؟ وهل درسنا أصحاب الشعر في هذا العصر، أو أصحاب النثر؟ أو قل هل هيأنا مواد الدرس اللازمة فجمعنا ثروة هذا العصر الأدبية، وحققناها، ومكنا الدارسين منها؟ لم نفعل ذلك ولا حاولناه، ولا قمنا بشيء من الدراسة المفردة لشعراء هذا العصر أو كتابه دراسة أدبية بمعناها القديم، نتذوق بها آثارهم وما خلفوا، أو ما وصل إلى يدنا من تلك الآثار والثمار. ما لنا دراسة جامعة شاملة لهذه الآثار، ولا لنا دراسة جزئية خاصة لفن بعينه من آثار شاعر أو ناثر، ولكن لنا رغم ذلك أحكاما أدبية عامة! وتسأل نفسك، وتسأل أصحاب هذه الأحكام: كيف تهيأت لكم أحكام عامة شاملة مجملة كلية، قبل أن يصح لكم علم، وتتم لكم معرفة، بل قبل أن يصح لكم ما يشبه العلم والمعرفة بمواد هذا العصر وجزئياته، حتى تصدروا على ذلك بأجمعه حكما كليا عاما؟ تسألهم فلا تجد عندهم جوابا، ولا تجد السبيل إلى تسوية المسألة في نظرك ومع نفسك.