تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أبين المثل لإيضاح الافتراق والتخالف مع وحدة الأصل، هذه الأجناس البشرية، يقيم العلم بينها الفواصل المفرقة، ويقرر المميزات المغايرة بين جنس منها وآخر، ثم لا ترى هذا التفريق - مهما يتسع القول فيه ويعمق - قد قضى على الوحدة الإنسانية، أو وحدة أصل هذه الأجناس في رأي العلم وتقريره! فالأمر على غرار هذا في الميدان الفني، بل هو في الحقيقة أفسح مما في العلم وأوسع؛ فلقد تلتقي الآداب الإنسانية في الأقاليم المتعددة، والعصور المختلفة، على لسان المتفننين المختلفين في ظواهر مشتركة، فيتفق فيها أدب أمة آرية مع أدب أمة أخرى سامية، ويتشابه فيها عصر جاهلي مع عصر حضري حديث، ونحو ذلك؛ لأن لهذه الآداب على تنوعها وتغيرها، بل على تخالفها وتباينها، وحدة عليا بعيدة، تتلاقى عند فروعها المختلفة، وأنماطها المتعددة، كما التقى الجنس البشري في وحدة الأصل ووحدة الجنس العليا، ثم اختلفت وراء ذلك فصائله وتمايزت في كل شيء. فليس يجب حين نقرر إقليمية الأدب أن تكون هذه الآداب في أقاليمها قد تقطعت بينها الوشائج حتى ما تتشابه فنونها. فيبطل الغزل في الشرق إذا تغزل من في الغرب، ولا يقال الرثاء في الغرب إذا قاله الشرقيون، وحتى ما تتشابه موضوعاتها بحيث لا يعرض هؤلاء لما عرض له أولئك، من موضوع رسالة أو خطبة أو مناجاة شاعر، أو موادة مترسل؛ لأن هذا مما لا يكون بين أدبين غير موحدين. أو حتى ما تتشابه الصور البيانية، والأساليب الأدائية بين الشرق والغرب اللذين تأثرا بمؤثرات متشابهة، فتكون للشرق استعارات وتشابيه لم يعرف الغرب مثلها ولا نوعها، وحتى يستقبح هنا ما يستجاد هناك، وبدون هذا لا يكون افتراق الشرق في دأبه عن الغرب في أدبه، بل تكون لهما وحدة تامة جامعة! •••

وإني لأستوفي البيان فأشرح لكم فكرة عن تقسيم المعاني الأدبية، كنت قد أوضحتها في بحث المعاني من البلاغة الفنية

6

فقسمتها إلى معان كبرى ومعان صغرى.

قسمت المعاني الأدبية إلى كبرى وصغرى؛ فالأولى هي مواد الفن القولي، وأدوات العمل الأدبي، من حب متغزل ناسب، أو عتاب متلطف، أو استعطاف متشوق، أو هجاء كاره، أو ما إلى ذلك من معان، أو إن شئت من عواطف وأحاسيس بشرية، تعطيك مجال العمل الفني في القول أو غير القول من الفنون.

وأما المعاني الصغرى فهي الصور الجزئية في هذا الأصل الأكبر، كأن يكون تغزل المتغزل، أو استعطاف المستعطف، أو رثاء الراثي بقول كذا دون كذا، أو بفكرة كذا دون كذا، أو بصورة أداء دون صورة أخرى، أو بلون تعبير دون غيره، وتلك الأخيرة هي التي نسميها المعاني الصغرى.

وفي القسم الأول وهو المعاني الكبرى، لا يجب أن يختلف أدب جنس عن أدب جنس، ولا أدب أمة عن أدب أمة، ولا أدب عصر عن أدب آخر شديد المباعدة له، فقد يكون ذلك كله إنسانيا تجده البشرية جمعاء، وتحسه الناس كلهم، وهو موضوع الأدب الخالد تستطيع الألسن المختلفة أن تجري به، والألوان المختلفة أن تنتشي به، وتهش له. وحظ الأدب من الخلود مرهون باختيار المتفنن لهذه الكبريات من المعاني، ينتقي منها موضوع عمله الفني، ثم يصور فيه شعورا إنسانيا عاما مشتركا باقيا. وبعد هذا الاتفاق الأساسي في المعاني الكبرى تختلف الأمة عن الأمة، والعصر عن العصر، والمتفنن عن المتفنن، فكلهم يحب، ولكن هذا عذري الحب، وذاك طائر القلب، وهذا موحد متفلسف يعرف معنى الحب في نفسه، وهذا متنقل أو متكثر، يعرف الحب في نفس محبوبه، إلى فروق من ذلك قد تتميز بها الأمم، والأفراد، والعصور، فتتميز الفنون، وتكون موضوعات العمل الفنية المختارة متأثرة في صورتها العامة بهذه الفروق.

وأما ما دعوناه المعاني الصغرى، وهي الخواطر الجزئية التي تؤلف الأقسام الرئيسية للفنون القولية، فهذه أقبل بطبيعتها للاختلاف والتغاير، فطريقة هذا في ترجمته عن حبه، وأسلوبه في إبلاغ عواطفه، وتجليته للصورة النفسية التي يمثل بها هذه العاطفة بتلوينه لها وعرضه إياها على قارئه أو سامعه، كل أولئك قابل بطبعه للتفاوت والاختلاف، يتفاوت في أمة عن أمة، وفي جيل عن جيل، وفي شخص عن آخر، بل يتفاوت في الشخص الواحد لزمنين مختلفين من حياته.

في الأدب المصري · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ١٧