قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن عيسى بن مريم عبدالله - عليه الصلاة والسلام - رفع إلى السماء بجسده الشريف وروحه ، وأنه لم يمت ولم يقتل ولم يصلب ، وأنه ينزل آخر الزمان فيقتل الدجال ، ويكسر الصليب ، ويحرم أكل الخنزير ، ويضع الجزية بمعنى أنه لا يقبل إلا الإسلام ، وثبت أن ذلك النزول من أشراط الساعة ، وقد أجمع علماء الإسلام الذين يعتمد على أقوالهم على ما ذكرناه ، وإنما اختلفوا في معنى التوفي المذكور في قول الله عز وجل : ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [ آل عمران : 55 ] على أقوال :
أحدها : أن المراد بذلك وفاة الموت ، لأنه الظاهر من الآية بالنسبة إلى من لم يتأمل بقية الأدلة والقرائن ، ولأن ذلك قد تكرر في القرآن الكريم بهذا المعنى ، مثل قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [ السجدة : 11 ] ، وقوله سبحانه :﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ ﴾ [ الأنفال : 50 ] وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقديم وتأخير .
القول الثاني : معناه القبض ، نقل ذلك ابن جرير في تفسيره عن جماعة السلف ، واختاره ورجحه على ما سواه ، وعليه يكون معنى الآية : إني قابضك من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حي ورافعك إلي ، ومن هذا المعنى قول العرب : توفيت مالي من فلان أي قبضته كله وافياً .
القول الثالث : إن المراد بذلك وفاة النوم ، لأن النوم يسمى وفاة ، كقوله تعالى : ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ الزمر : 42 ]