ثالثاً ـ العدول عن اسم المفعول إلى اسم الفاعل:
جاء هذا النوع من العدول في عدة صيغٍ، نتناول اثنتين منهما بالدرس.
1 ـ العدول عن مدفوق إلى دافق:
قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ - خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ - يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (سورة الطارق / 5 ـ 7)، ومعنى دافق: مدفوق على أنه فاعل بمعنى مفعول على مذهب أهل الحجاز في النعت يقولون: هذا سر كاتم، وهم ناصب، أي: مكتوم، ومنصوب (1). قال البغوي: " مدفوق مصبوب في الرحم وهو المني فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾
(سورة القارعة / 7)، والدفق الصبّ وأراد ماء الرجل وماء المرأة لأن الولد مخلوق منهما وجعله واحداً لامتزاجهما " (2). ومذهب سيبويه والزجاج أن (دافق) على النسب أي: ذو دفق؛ على اعتبار أن معنى الدَّفْق في اللغة: دفق الماء بعضه لبعض كدَفْع الوادي والسيل إذا جاء يركب بعضه بعضاً، وعلى هذا المعنى يصح أن يكون الماء دافقاً لأن بعضه يدفع بعضاً فمنه دافق ومدفوق (3). وقيل معنى الدفق هو: الصبّ بمرةٍ واحدةٍ فيكون دافق بمعنى منصبّ (4). والصحيح أنّ الدفق في اللغة يتنازعه معنيان الدفع والصبّ، وهما متقاربان لأن الدفق " هو دفع الشيء قُدُماً من ذلك دَفَقُ الماء وهو ماء دافقٌ " (5). كما قيل أن الدفق معناه: الصبّ، فيقال: دفق الماء والدمع يدفق دفقاً ودُفوقاً واندفق وتدفّق واستدفق: انصبّ، وقيل انصبّ بمرّة (6).ومن ذهب إلى معنى الصبّ ترجّح عنده (دَفَق) متعدياً، والذي ذهب إلى أنه بمعنى الاندفاع جعله لازماً، على اعتبار أن الماء يدفع بعضه بعضاً، وقد ذهب النسفي إلى أن الأصل في الدَّفْق: أن يكون بمعنى الصب ويكون لصاحبه واسناده إلى الماء مجاز (7). وقيل: إن (دافق)
(1) ينظر: معاني القرآن، الفراء: 3/ 353؛ وجامع البيان: 30/ 143.
(2) تفسير البغوي: 4/ 273.
(3) ينظر: المحرر الوجيز: 15/ 398.
(4) ينظر: البحر المحيط: 8/ 455.
(5) مقاييس اللغة: 2/ 286.
(6) ينظر: لسان العرب: 11/ 387.
(7) ينظر: تفسير النسفي: 4/ 331.