رابعاً ـ العدول عن اسم الفاعل إلى المصدر:
ورد هذا النوع من العدول في صيغ عدة، أشار المفسرون إلى بعضها، وتناولوه بالبحث، وعلى وفق ذلك تطرق البحث إلى نموذجٍ وحيد حسب وهو العدول عن غائرٍ إلى غَوْر.
ـ العدول عن غائر إلى غورٍ:
قال تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ (سورة الكهف / 41)، ومعنى (الغور) في اللغة: " المنهبط من الأرض " (1)، ثم استعمل في كل ما انخفض قال أبو عثمان ابن القطاع: " غار الماء غوراً: فاض وغار النهار: اشتدّ، وغارت الشمس والقمر والنجوم غياراً: غابت، وغارت العين تغورُ غؤوراً، وغار الرجل على أهله يغار غيرةً وغاراً " (2). كلُ استعمالات مادة (غور) يُلحظ فيها معنى الانخفاض وهو الذهاب سُفْلاً، وعليه معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (سورة الملك / 30)، قال أبو عبيدة: " أي: غائراً، والعرب تصف الفاعل بمصدره وكذلك الاثنين والجميع على لفظ المصدر، قال عمرو بن كلثوم:
تظلُّ جيادُه نَوْحاً عليه ... مقلّدة أَعِنَّتها صُفُونا
أي: نائحات " (3)، أي وَضْع المصدر مكان اسم الفاعل (4). ومعنى (غوْراً): ذاهباً قد غار في مذهب فلا تلحقه الرشاء، يعني لا تناله الدلاء، قال ابن عطية: " (الغور) مصدر يوصف به الماء المفرد والمياه الكثيرة، كقولك: رجل عَدْل ونحوه، ومعناه: ذاهباً في الأرض لا يستطاع تناوله " (5)، فهو عكس الماء المعين الذي هو: " الماء الظاهر الذي تراه العيون " (6).
(1) المفردات: ص 618.
(2) كتاب الأفعال: 2/ 22.
(3) مجاز القرآن: 1/ 403 ـ 404؛ وينظر: جمهرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي: ص 186،
وفيها: ... تركنا الخيل عاكفةً عليه.
(4) ينظر: جامع البيان: 15/ 249.
(5) المحرر الوجيز: 9/ 315؛ وينظر: التفسير الكبير: 30/ 76.
(6) التفسير الكبير: 30/ 76.