ومن هذا المعنى اللغوي انتقل إلى دائرة الاصطلاح فقيل: " الحيض: عبارة عن الدم الذي ينقضه رحم بالغةٍ سليمةٍ من الداء والصغر" (1).
ومن خلال ما تقدم يتبيّن أن الخلاف في دلالة (المحيض) يتجه نحو وجهتين؛ الأُولى كون (المحيض) على وزن مَفْعِل، وليس على وزن (مَفْعَل) القياسي، الثانية أنّ تحديد دلالة (المحيض) بناء على تحديد كونه مصدراً ميمياً، أو أسم مكان، أو اسم زمان، في الوجهة الأولى حُسمت المسألة في أن الألف والياء تتواردان؛ لأنهما من حيز واحد، قال الزجاج: " ويقال حاضت حيضاً ومحاضاً ومحيضاً والمصدر في هذا الباب بابه المفعَل، لكن المَفْعِل جيّد " (2).
ووجه جودته مشابهة صيغة مضارعه المكسور العين نحو المجيء والمبيت، قال ابن عاشور: " وعندي أنه لما صار المحيض اسماً للدم السائل من المرأة عُدل به عن قياس أصله من المصدر إلى زنة اسم المكان وجيء على زنة المكان للدلالة على أنه صار اسماً فخالفوا فيه أوزان الأحداث إشعاراً بالنقل فرقاً بين المنقول منه والمنقول إليه " (3).
أما فيما يخصّ دلالة (المحيض) فقد قيل إنها تدل على المصدر أي بمعنى الحيض، فضلاً عن زيادة معنوية وهي الإشارة إلى مكان الحيض؛ ولذا يكون الاعتزال عن الجماع (4). قال الراغب: " المحيض: الحيض ووقت الحيض وموضعُهُ " (5).
3 ـ العدول عن التمزيق إلى المُمَزّق:
ورد هذا النوع من العدول في موضعين في سورة سبأ، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سورة سبأ / 7). المقصود بهذا التمزيق تفريق الأوصال بعد الموت، وما يلحقها من بِلىً بحيث تكون عظاماً وتراباً ورفاتاً (6). وللتعبير بالمصدر الميمي تأكيدٌ على
(1) التعريفات، الجرجاني: ص 50.
(2) معاني القرآن واعرابه، الزجاج: 1/ 254؛ وينظر: التحرير والتنوير: 2/ 365.
(3) التحرير والتنوير: 2/ 365.
(4) ينظر: نظم الدرر: 3/ 274.
(5) المفردات: ص 265؛ والبحر المحيط: 2/ 166؛ وفتح البيان: 1/ 447.
(6) ينظر: جامع البيان: 22/ 62.