تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ت 515 هـ): " عَدَل في حكمه عَدْلاً، والشيءِ بالشيءِ ساواه به، والكافرُ بالله أشرك، وعن الشيء والطريق عدولاً مال " (1). فدلالة الميل والخروج جاءت من تقييد الفعل بالحرف (عن)، ثم إنّ مجيء العَدْل بمعنى المساواة، مشتق في الأَصل من العِدْل، وذلك برابط المساواة والتساوي، فالعِدلُ لا يُقال له عِدْلٌ إلاّ بعد أن يُعْدل بغيره، فانتفاء الميل عن الشيء يكون عَدْلاً؛ ولذا قيل هذا: " فَرَسٌ معتدل الغُرّةِ إذا توسطتْ غُرَّتُه جبهتَهُ فلم تُصِبْ واحدة من العينين، ولم تملْ على واحدٍ من الخدّين " (2) فكلُّ ما لُحظ فيه معنى التوسط والمساواة هو عَدْلٌ، أي: نقيض الجَوْر (3). " وهو ما قام في النفوس أنّه مستقيمٌ " (4)، وقيل هو: " الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط " (5).

وممّا تقدم تبيّن أنْ العدول ليس ميلاً وخروجاً عن حدّ التوسط والمساواة، إنّما هو ميل وخروج إليهما، بمعنى أنه يتضمن دلالة الميل المنضبط المقصود، لا دلالة الخروج الشاذّ الذي هو بمعنى الجور.

وللتدليل على كون مصطلح (العدول) مصطلحاً فكرياً يعبّر عن مدلوله بدقة، ويرتسم فيه محتواه على نحوٍ أصيل ينبغي الإشارة إلى أنه مشتقٌ من قول العرب

(عدل عن الطريق)، أي خرج عنه أو مال عنه إلى غيره، إذ هو خروج مقصود؛ إذ إنّ المعنى السالب للخروج عن الطريق هو (جار عن الطريق)، هذا فضلاً عن كون العدول عن الشيء يستوجب العدول إلى شيء آخر، إذ هو ليس بمعنى جار أو شذّ أو شيء من هذا القبيل، ومن هنا يمكن القول إنّ هذه الدلالة هي الجديرة بأن تكون دالة على معنى العدول.

أي لابد أن يكون في العدول طرفان طرفٌ معدولٌ عنه هو الأصل أو القياس، وطرفٌ معدولٌ إليه هو الفرع أو خلاف القياس، ولذا عرّفه السجلماسي (مُتَوَّفّى في القرن

(1) كتاب الأفعال: 2/ 363.

(2) لسان العرب، ابن منظور: 11/ 434.

(3) ينظر: جمهرة اللغة، ابن دريد: 2/ 28، وتاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري: 5/ 1760.

(4) القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 13.

(5) تاج العروس، الزبيدي: 8/ 9.

_الصرفي_في_القرآن_الكريم_دراسة_دلالية · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_الصرفي_في_القرآن_الكريم_دراسة_دلاليةص ١٧