ومع كل هذه المساوئ التي جلبتها التجزئة، على المواطن العربي عامة، إلا أن المصيبة الدهماء التي أنزلتها التجزئة بفلسطين وطنا وشعبا قد تعدى خطرها إلى الأمة العربية جمعاء، وأصبحت تواجه ثلاث مصائب كبرى: الأولى انسلاخ فلسطين عن الوطن العربي، والثانية انسلاخ الأقطار العربية بعضها عن بعض.. وثالثة الأثافي قيام إسرائيل في قلب الوطن العربي مهددة الأمة العربية في حضارتها واقتصادها وثقافتها، بل في وجودها كاملة.
وكان الشعب الفلسطيني أسبق الشعوب العربية إلى إدراك هذه المخاطر، لا لأنه يملك وعيا أكبر من بقية إخوانه في الوطن العربي، ولكن لأنه كان الضحية الأولى التي استهدفها الاستعمار والصهيونية.. ومن هنا أصبح أكثر وعيا بخطر التجزئة، وأشد سعيا لتحقيق الوحدة، وجاءت الخمسون عاما من النضال العربي والفلسطيني لتؤكد الحقيقة مرة بعد مرة، وهي أن التجزئة هي سبب هذه الكوارث العظمى، وأن الوحدة هي صخرة الخلاص .. الخلاص من إسرائيل، ومن الجهل والمرض والفاقة.
وقد تجلت هذه الحقيقة أول ما تجلت على أرض فلسطين .. فمنذ أن علم الشعب الفلسطيني في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن وطنه سيصبح وحدة سياسية منفصلة عن الوطن السوري، ليصبح وطنا قوميا للشعب اليهودي، ثارت أحاسيسه القومية للدفاع عن وطنه الصغير، وعن الوحدة الكبرى، فأنشئت الجمعيات الوطنية في كل أرجاء فلسطين.. وسميت بالجمعيات الإسلامية المسيحية توكيدا للتضامن بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة الغزوة اليهودية التي بدأت طلائعها المهاجرة تصل تباعا إلى شواطئ