كان مروان بن محمد قد أقر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز على إمارة العراق، فخرج عليه الضحاك بن قيس، فحدثت بينه وبين عبد الله ابن عبد العزيز عدة حروب، انتصر في أكثرها الضحاك، ثم حمل على البصرة وحاصرها ثمانية أيام حتى اضطر أميرها المسور إلى تسليمها، فسلمها إلى الضحاك بعد أن أعطاه الأمان، وذلك في سنة 128ه/745م، فبلغ ذلك مروان فعزل عبد الله بن عمر عن العراق، وأرسل بدله يزيد بن هبيرة، وسير معه جيشا كبيرا لقتال الضحاك وغيره من الخوارج، وبعد أن قمع يزيد من بالكوفة من الخوارج سار إلى البصرة وحارب من حولها من الخوارج إحدى عشر يوما، فاسترد البصرة وانهزم الضحاك، فدخل يزيد البصرة ظافرا، وضبط نواحيها، وولى عليها شبيب بن شيبة؛ فساد الأمن فيها، وذلك في سنة 129ه، وعلى إثر ذلك ثار في العراق سليمان بن هشام بن عبد الملك، وطلب الخلافة لنفسه، وانضم إليه عشرة آلاف من البصريين، وبايعوه بالخلافة، ثم سار بجموع لحرب مروان بالشام، فلاقاه مروان فانتصر عليه، وتمزقت جموع سليمان.
وفي أيام ابن هبيرة حدث بالبصرة في سنة 130ه طاعون، فمات به خلق كثير، وعلى ذلك تولى إمارة البصرة مسلم بن قتيبة الباهلي في سنة 131ه، وفي أيامه قوي أمر بني العباس، وظهرت دعوتهم، فكانت الضربة القاضية على بني أمية.
ولما انتشرت عساكر العباسيين حصن البصرة مسلم بن قتيبة، واستعد للدفاع، فأرسل عبد الله السفاح مؤسس الدولة العباسية جيشا كبيرا لأخذ البصرة بقيادة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، ووجه إليه إمارة البصرة. فلما وصل سفيان طلب تسليم المدينة فأبى أميرها مسلم معتمدا على ما عنده من العدد والعدد؛ إذ كان في البصرة حينذاك جماعة من بني أمية وكثير من ولاة الأمويين الذين فروا من خراسان بعد تغلب قواد بني العباس عليها، وكان فيها أربعة آلاف مقاتل جاءت نجدة إليه عدا جيوش المدينة.
فلما رأى سفيان امتناع مسلم باشر الحرب، فاشتدت المعارك سبعة أيام متوالية، فانجلت عن انتصار جيوش بني العباس، فدخل سفيان البصرة منصورا، وعلى يده انقرضت دولة بني أمية من البصرة، وذلك في سنة 132ه، وقد قتل في هذه الحادثة عدد كثير من البصريين، ونكبت هذه المدينة نكبة عظيمة يوم سقوطها؛ إذ قام الرعاع فنهبوا وسلبوا وقتلوا؛ فنهبت أكثر الأسواق، وخربت دور كثيرة - قيل بلغ عددها سبعة آلاف دار - وأحصي من قتل في هذه الفتنة من أهل بصرة فكانوا أحد عشر ألفا.
ولما دخل القائد العباسي سفيان أعلن الأمان، وأمر مناديه، فاجتمع الناس في المسجد، فخطب فيهم لبني العباس، فبايع الناس للسفاح، ثم شرع في تنظيم شئون إمارته، ثم قبض على جماعة من بني أمية الذين كانوا في البصرة، فقتلهم وصلب جثثهم، وكتب بالفتح وبالخبر إلى الخليفة السفاح بالكوفة. (8-10) تتمة لما مر
كان الأمويون كثيري الاهتمام بشئون البصرة؛ لأهمية موقعها الجغرافي والتجاري والسياسي، ولكونها وسطا بين سورية والحجاز وفارس وبين النهرين؛ ولذلك اتخذوها في بعض الأحيان مقرا لإمارة العراق، ولما رأى الناس اعتناءهم الشديد بهذه المدينة تهافتوا إليها من كل الجهات حتى أصبحت في عهدهم من أعظم مدن الشرق، وصارت مهدا للعلوم والفنون والآداب، ومركزا للتجارة والصناعة، ومجتمعا لكبار الرجال من العلماء والفقهاء والفلاسفة والشعراء وغيرهم.
ومع وجود الفتن والاضطرابات أحيانا حول المدينة وأخرى في داخلها كانت عمارتها في أيامهم تزداد عاما فعاما، حتى قيل: بلغت مساحتها في أيام إمارة خالد بن عبد الله القسري 36 ميلا مربعا، عدا المغارس التي بها البساتين والأنهار، وبالغ بعضهم فقال: بلغت أنهارها التي تجري فيها الزوارق في أيام إمارة بلال بن أبي بردة مائة وعشرين ألفا.