تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما انخذل الأتراك لقلتهم ورأوا أنفسهم غير قادرين على الانتقام من الديلم لكثرتهم، التجئوا بالأهلين من السنة، فاتفقوا معهم فانتصروا على الديلم بمساعدتهم وفتكوا بهم وشتتوهم، فاعتصموا بشرف الدولة، فأصلح بينهم وحلف بعضهم لبعض، وعلى أثر هذه الحادثة أرسل شرف الدولة أخاه صمصام الدولة مسجونا إلى بلاد «فارس»، فاعتقل هناك.

أما الثانية، فهي أن قائد الجيوش «قراتكين» الذي كان قد أفرط في الدولة حتى صار حملا ثقيلا على شرف الدولة، حدثت بينه وبين منصور بن صالحان وزير شرف الدولة وحشة، فأغرى الجنود بالشغب على الوزير، فثاروا عليه وأسمعوه ما يكره، فانبسط لهم الوزير ولاطفهم فسكنوا، فأصلح شرف الدولة بين الوزير والقائد وشرع سرا في تدبير الخلاص من القائد حتى تمكن بعد أيام قليلة من القبض عليه وعلى جماعة من أنصاره وصادر أموالهم، فشغب الجند فقتل شرف الدولة القائد وولى مكانه «طغان الحاجب»، فسكن الجيش وأخلد إلى السكون، وتوفي شرف الدولة ببغداد سنة 379ه.

وفي هذه السنة (سنة 379ه) استولى على «الموصل» أبو طاهر إبراهيم، وأبو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان. (7) بهاء الدولة 379-403ه

وتولى الأمر بعد شرف الدولة أخوه أبو نصر بهاء الدولة بن عضد الدولة، فركب الخليفة الطائع إليه ودخل عليه يعزيه بأخيه، فقبل أبو نصر الأرض بين يدي الخليفة وأظهر له احتراما عظيما، ثم عاد الخليفة إلى قصره، فحضر عنده الوجوه والأمراء والعلماء وأبو نصر، فخلع عليه الخليفة سبع خلع وطوق عنقه بطوق كبير من ذهب، وألبسه سوارين من الذهب، ومشى الحجاب بالسيوف بين يديه، فقبل الأرض بين يدي الخليفة وجلس على كرسي أعد له، فقرئ عهده ولقبه الخليفة «بهاء الدولة».

ولما تم الأمر لبهاء الدولة استخلف على «بغداد» أبا ناصر خواشاذه، وسار هو منها إلى «جرجان» سنة 380ه وملكها، وجرت بينه وبين صمصام الدولة الذي فر من السجن بعد وفاة شرف الدولة حروب عديدة، ثم اصطلحا وعاد بهاء الدولة إلى «بغداد».

وفي أثناء غياب بهاء الدولة حدثت ببغداد فتن عديدة، تارة بين الديلم والأتراك، وأخرى بين السنة والشيعة، فلما عاد أصلح ما أفسدته تلك الفتن، وبينما هو يصلح ما فسد إذ شغب الجند عليه لتأخير مرتباتهم، فاحتاج إلى المال فأغراه أبو الحسن بن المعلم - وكان مقربا عنده - بالقبض على الخليفة الطائع وأطمعه في أمواله، وصادف أن الخليفة كان قد حبس رجلا من خواص بهاء الدولة، فاغتاظ منه وأضمر له السوء وأرسل إليه في الحضور عنده، فجلس الخليفة حسب العادة على سريره متقلدا سيفه، فجاء بهاء الدولة ومعه جماعة من حاشيته، فقبل الأرض بين يدي الخليفة وجلس على كرسيه، وكان قد أوصى بعض رجاله بالقبض على الخليفة، وبينما هم جلوس تقدم رجاله إلى الخليفة وجذبوه من سريره ولفوه في كساء وصعدوا به إلى دار السلطنة وهو يستغيث ويقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» فحبسوه وأخذ بهاء الدولة كل ما كان في قصره وأنفقه على الجند، فاضطربت «بغداد» لهذه الحادثة، وكان الشريف الرضي ببغداد، فقال في ذلك أبياتا منها:

من بعد ما كان رب الملك مبتسما

إلي أدنوه في النجوى ويدنيني

أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه

لقد تقارب بين العز والهون

ومنظر كان بالسراء يضحكني

يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني

هيهات أغتر بالسلطان ثانية

قد ضل ولاج أبواب السلاطين

ونهب الناس بعضهم ونقموا على بهاء الدولة، ولكنه لم يبال بهم وأجبر الطائع على خلع نفسه وأشهد عليه بالخلع، وأنفذ جماعة من الوجوه إلى «البطيحة» لإحضار أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله، فأحضروه إلى «بغداد» وخرج لاستقباله بهاء الدولة والأمراء والعلماء والوجوه وأدخلوه قصر الخلافة وبايعوه ولقبوه «القادر بالله» (381-422ه)، ولما تمت البيعة حمل الطائع المخلوع إلى قصر القادر بالله، فبقي مكرما إلى أن مات.

تاريخ الدول الفارسية في العراق · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الدول الفارسية في العراقص ٢٣