تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بقي جنوبي العراق في قبضة تلك الأمة الفارسية حتى قام سادس ملوك الدولة البابلية الأولى أو الدولة السامية الملك الجليل حمورابي (2287-2232ق.م)، فحمل عليهم بجنوده وطردهم من هذا القطر، ولم يكتف بذلك بل إنه طاردهم حتى دخل عاصمتهم «شوشن»، ولم يعد إلى مقره إلا بعد أن أخضع تلك الأمة لسيادته، وأرجع تمثال الإلهة «نانا» إلى هيكل مدينة «أوروق».

4

هذا ما وقفنا عليه من بين الأبحاث التاريخية الحديثة المستندة إلى الآثار المستخرجة من مواقع المدن العراقية القديمة، غير أن المؤرخين قد اختلفوا في السنة التي استولى العيلاميون فيها على مملكة «أور»؛ فمن قائل إنهم قرضوا السلالة الثالثة التي نشأت حوالي الألف الثالث قبل الميلاد التي أسسها الملك أورانكور، وأسروا آخر ملك من تلك السلالة الملك أبي سين سنة 2150ق.م، ومن قائل إن هذه الحادثة وقعت سنة 2300ق.م، ويزعم بعضهم أنهم قرضوا تلك المملكة سنة 2285ق.م، ويقول آخرون: كانت هذه الغارة سنة 2295ق.م.

كذلك اختلفوا في اسم الملك العيلامي الذي قاد تلك الحملة؛ فبعضهم يقول إنه الملك كوتارناحونتا،

5

ويزعم بعضهم أنه الملك ريمسين.

أما الذي يظهر من سير الحوادث التاريخية، فهو أرجحية قول القائل بأنهم قرضوا تلك المملكة «مملكة أور» سنة 2295ق.م، وأن من جملة الملوك العيلاميين الذين حكموا ذلك الصقع كوتارنا حونتا وريمسين ونبورياس.

ولم تحكم الدولة العيلامية جنوبي العراق غير مدة وجيزة، فطردهم الملك حمورابي عندما قويت شوكته وملك العراق كله، ولم يقف عند ذلك الحد، بل إنه أخضعهم لسيادته - كما تقدم - وليست هذه المرة الأولى التي خضع فيها العيلاميون لملوك العراق، بل إنهم خضعوا مرارا لسيادة ملوك هذا القطر في أزمان مختلفة؛ من ذلك أن الملك سرجون الأكدي السامي الذي ملك سنة 2872ق.م، كان قد أدخلهم تحت سيادته، وأن الملك أناتوم الذي ملك سنة 3900ق.م

6

حاربهم وأخضعهم لحكمه.

7 (1) بين العهدين

بعد أن اعتز العراق دهرا طويلا في عهد الدولة البابلية الأولى التي جمعت شمله ووحدت كلمته وأعلت شأنه، انعكس الأمر عند سقوط تلك الدولة واضطربت شئون العراق وأصبحت البلاد منقسمة على نفسها؛ أي صارت عدة ممالك أو دول صغيرة عديدة كل دولة قائمة بنفسها، وكثيرا ما كانت البلاد تنتقل من سلالة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، ثم اشتد الخلاف بين أهل البلاد وطمع بهم أعداؤهم، فعاد العيلاميون إلى طمعهم في جارتهم وأعلنوا الحرب عدة مرات على أهل هذا القطر، وشنوا الغارة على المدن العراقية في أزمان مختلفة، ونهبوا بعض المدن وفتكوا بأهلها، ومن تلك المدن «نبور» و«أوروق»، ومن ملوكهم الذين أغاروا على العراق الملك شتروك ناخونتا، فإنه شن الغارة على هذا القطر سنة 1190ق.م، وغنم غنائم نفيسة من البلاد، من جملتها شريعة حمورابي؛ فإنه نقلها إلى عاصمته «شوشن»، وكثيرا ما كان العيلاميون يتفقون مع بعض تلك الدول الصغيرة ويعضدون ملوكها، خصوصا الممالك التي في جنوب العراق القريبة منهم، وكانوا في بعض الأحيان يتدخلون في الأمور المهمة المتعلقة بالملوك، ويجلسون على عروش الممالك من يوافق على مصالحهم ومنافعهم، أو من يعقد معهم اتفاقية يرضونها.

ولما استحكم الشقاق بين أهل البلاد واختلفت كلمتهم، حمل عليهم الآشوريون

8

وأخضعوهم لسيادتهم، وظلوا تحت سيطرتهم قرونا جرت في خلالها حوادث خطيرة وانقلابات غريبة، حتى قامت الدولة البابلية الثانية التي أسسها نيو بلاصر ودامت (611-538ق.م)، فلمت شعث البلاد، وعاد العز والإقبال إلى هذا القطر وعلا شأنه في عهد الملك نبوكد نصر - بختنصر الثاني - غير أن شمس ذلك العز أفلت بظهور كورش الفارسي الذي قرض تلك الدولة بعد أن عاشت 73 سنة تقريبا.

تاريخ الدول الفارسية في العراق · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الدول الفارسية في العراقص ٢