لا يمكن أن ننسى تخليد الذكرى الذي بدأت به فكرة التراجم في التراث العربي لا سيما الصحابة، غير أنها اتسعت فيما بعد إلى الدور الفئوي الاجتماعي عوضا عن السياسي. ترتب على هذا أن المؤهل الأساسي للمترجم له هو إسهامه الفردي في التقليد الثقافية للمجتمع الإسلامي. ثم تبع ذلك أن توسعت فكرة التراجم إلى الثقافة العربية كالأدباء والشعراء واللغويين والنحاة.
في إطار هذا التقليد ترجم لعدد كبير من النحاة. بدأ ذلك المبرد وثعلب، وتبعهما ابن درستويه، والمرزباني وغيرهما. غير أن أهم كتابين عرفا في هذا المجال هما: «مراتب النحويين» لأبي الطيب اللغوي، و«طبقات النحويين واللغويين» لأبي بكر الزبيدي. فقد ترجم الزبيدي تحت مفهوم «الطبقة» لعشرات النحويين، وكذلك أبو الطيب اللغوي تحت مفهوم «المراتب».
لقد احتفى محقق كتاب «طبقات النحويين واللغويين» بنهج الكتابين معا، واعتبر كل واحد منهما فريدا من نوعه بين كتب تراجم النحويين. يقول عن الأول: «لم يسلكه أحد من قبله، ولا نهج نهجه ممن جاء بعده.» غير أن المؤرخ لعلم النحو في التصور الذي نقترحه سوف يتساءل عن معنى الكتابين، وعن الهدف الذي جعل المؤلفين يقيمان كتابيهما على مفهومي الطبقة والمرتبة.
تختلف بنية كتب التراجم عن بنية كتب الطبقات؛ ذلك أن كتب التراجم اتبعت ترتيبا مختلفا، فقد ترد ترجمة النحاة مع غيرهم من أصحاب العلوم مثل كتاب «تاريخ بغداد»، ويرتب النحاة ترتيبا هجائيا حسب أسمائهم الحقيقية. وقد تغلب بعض المؤلفين كالسيوطي على صعوبة البحث عن النحوي تحت اسمه الحقيقي في كتابه «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة»؛ حيث خصص الباب الأخير للكنى والألقاب والإضافات.
5
والغالب على هذه الكتب هو أن ينقل المؤلف التالي عن المؤلف السابق. وبالرغم من أن غالبها لا يضيف جديدا سوى في نواح جزئية لا تكاد تذكر، فإن أهميتها الحقيقة تكمن في أن بعضها قد ينقل عن كتاب لم يعد متاحا ككتاب المبرد الذي نتعرف مادته من نقولات السيرافي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرتبط الترتيب والتبويب والتصنيف بتفكير الزبيدي وأبي الطيب اللغوي نفسيهما، وهو التفكير الذي لا يرتبط بالمؤرخ الحديث لعلم النحو كما نقترحه، الذي يعرف أن الأسئلة التي عرضت عن نشأة النحو العربي. وغايته ومعناه وتاريخه كانت موضعا للتأمل منذ قرون طويلة كتاريخ النحاة، والجماعات العلمية النحوية (الطبقات) والمدارس النحوية (الكوفة والبصرة وبغداد ... إلخ)، إلا أنها لا توفر تصورا تاريخيا لمفهوم النحو؛ إذ لا يوجد سوى تراجم النحاة وحكاياتهم. ويبدو لي أن مفهومي «الطبقة» و«المرتبة» هما مفهومان وصفيان، ولا يحملان أي دلالة تحليلية؛ فهناك أسئلة لا يجاب عنها كالنتائج المترتبة على الطبقة والمرتبة، ولا المفاهيم النحوية المشتركة بين أعضائهما. وبالتالي فهما عنوانان وليسا مفهومين؛ لأنهما لا يقولان لنا شيئا أكثر من حكايات النحاة وأساتذتهم ... إلخ. ومع ذلك، فإنني أظن أن هذين المفهومين مفيدان لاقتراحنا عند مستوى التفسير المألوف للنحاة على أساس الأجيال؛ كأن يقال: الجيل الأول أو الثاني. وفيما لو أراد مؤرخ النحو الحديث كما نراه أن يستفيد من ذلك، فبإمكانه أن يتوقف عند كل جيل ومفاهيمهم التأسيسية للنحو، واستكشافها واختلافها من جيل إلى جيل، مما يعني إثارة قضايا نحوية مهمة تنتمي إلى تاريخ النحو العربي. يمكن أن يكون سؤال المؤرخ الذي نقترحه للنحو العربي لهذا النوع من الكتب هو: على أي نحو يمكن أن يمثل كتابا أبي الطيب اللغوي والزبيدي تاريخا للنحو وليس للنحاة؟ ذلك أن كتابين كهذين يحتفيان بالنحاة قد يكونان محفزين لدراسات في تاريخ النحو، فالكتابان يربطان علاقة بين ماضي النحو في النحاة المنتمين إليه، ومستقبل النحو في النحاة الذين جاءوا فيما بعد. تكمن الصعوبة التي تواجه الإجابة عن سؤال كهذا في أن يوسع المؤرخ مفهوم الجزء المتعلق بالنحوي إلى مفهوم الكل المتعلق بالنحو. وبهذه الطريقة أتصور أن كتابين كهذين يمكن أن يكونا موضوعا للتأمل من زاوية غير مألوفة في تاريخ النحو. وعلى أي حال، يمكن للمؤرخ الحديث للنحو العربي الذي اقترحناه أن يتأمل كتب النحو العربي المؤلفة أو الشارحة والمختصرة، وتراجم النحاة في ضوء الأفكار العامة التالية: