تشبه هذه الأسئلة تساؤلات الفيلسوف كارل ياسبرز في آخر نص فلسفي كتبه
2
عن معنى المعارف والنصوص التراثية عندنا. وعلى أي نحو تمثل لنا هذه النصوص كلا متكاملا، والكيفية التي تتسق بها فيما بينها. وتذكر هذه الأسئلة في الوقت ذاته باقتراحه أن الإجابة عن أسئلة كهذه تكون تالية لفهمنا معارف التراث ونصوصه، وأن تصورنا للتراث وتأويلنا له هو ما يجعله حاضرا أمام عقولنا. ما الذي يمكن لهذا النص الفلسفي أن يقدمه لموضوعنا؟ الفكرة الموجهة لذلك النص الفلسفي؛ أعني أن تاريخ النحو العربي يشبه تاريخ الفلسفة من حيث هو كل متكامل. لكن إذا ما بحثنا تفتت الكل إلى وجهات نظر أفراد فكروا في معاني ومضامين، وعاشوا قضايا وإشكالات. وبذلك يصير تاريخ النحو العربي تاريخ إشكالات تحاور النحاة حولها، وطرحوا أسئلة، وقدموا إجابة عنها. كل واحد من هؤلاء النحاة مميز ولا ينوب عنه آخر، ومكانته في تاريخ النحو العربي الكلي تخضع لأسلوبه ونوع فكره. كل واحد من هؤلاء النحاة له علاقة بغيره؛ فهو يقرؤهم، ويستوعبهم، ويتصارع معهم. وبذلك يكون تاريخ النحو العربي تاريخ تواصل وحوار بين النحاة. هذه الفكرة الموجهة لكتاب ياسبرز هو ما أريد تحسسها في تراث النحو العربي، شرحا واختصارا ونقدا ومعارضة وتراجم ومراتب للنحاة، وبين فكرة وفكرة هناك أفكار أخرى تشكل في نهاية المطاف ما أراه مخططا ممكنا لتحليل التصور التاريخي للنحو العربي الذي لم يقم به أحد حتى الآن.
شرح الكتب النحوية واختصارها
يشعر قارئ التراث النحوي العربي أن الكتب النحوية التي شرحت الكتب النحوية شرحا أو اختصرتها أكثر من الكتب التي شرحت أو اختصرت، حتى ليخيل للقارئ أن كتب التراث النحوي لا تقول شيئا سوى أنها تشرح أو تلخص بعضها بعضا. على سبيل المثال: أحصى عبد السلام هارون في مقدمته لتحقيق كتاب سيبويه «23» كتابا في شرحه و«11» كتابا في شرح شواهده و«3» كتب في اختصاره أو اختصار شروحه و«4» كتب في الاعتراض أو رد الاعتراضات. ومجموع هذا كله «55» كتابا شارك فيها كبار علماء العربية كالمازني وابن السراج والسيرافي. قد يقول قائل: إن كتاب سيبويه ؛ لأنه من الكتب المؤسسة للنماذج العلمية، وكما هو معروف، فهدف مثل هذه الشروح والتلخيصات هو الحفاظ على نموذج نحوي متماسك؛ أي إن مهمة هذه الكتب هي أن تصفي نموذج نحو سيبويه، وأن تشذبه، وأن تصقله. غير أن حجة كهذه يترتب عليها أن مهمة النحاة في تاريخ النحو العربي لن تكون إبداع المفاهيم النحوية الجديدة، ولا تطوير النحو من حيث هو علم بأن يضيفوا إليه، أو أن يولدوا نماذج نحوية أخرى. إنما مهمتهم أن يحافظوا على نموذج نحوي معين، ويفنوا أعمارهم في تشذيبه وتنقيته وصقله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشرح لم يقتصر على كتاب سيبويه، فقد شرح النحاة كتبا أخرى تعليمية وميسرة؛ أشهر هذه الكتب كتاب «الجمل في النحو» للزجاجي. قد أحصى محقق الكتاب «41» كتابا في شرحه، يتراوح حجمها بين مجلدين وبين تعليقات. كما أحصى «18» كتابا في شرح أبيات الكتاب وشواهده. وعلى أي حال، ليس هذا الجرد السريع بلا دلالة؛ إذ يمكن أن نستنتج التصور الفكري الذي يتحرك خلف التراث النحوي العربي؛ وهو أن المعرفة النحوية هي ما ينقل من أسلوب إلى أسلوب، وأن المعرفة تقوم على التشابه؛ لأن الشرح والاختصار يشبهان ما شرحاه أو لخصاه.
من منظور الفكرة التي نقترحها لتاريخ النحو العربي، وتهم مؤرخ النحو: أن شرح الكتب النحوية يشبه الشعب المرجانية التي تتكون من طبقات عديدة من حيوان المرجان. الطبقة الأخيرة على قيد الحياة. تموت هذه الطبقة بعد عدة سنوات لتحل محلها طبقة جديدة. وبعد أن تلد كل طبقة حية يتغير نوعا ما شكل الشعب؛ يصبح «أعلى قليلا، أكبر قليلا، ويبدو مختلفا قليلا.»