29
والأهمية التحليلية لمفهوم خطأ الصحة الزائدة يكمن في أن بنت الدؤلي والكتاب الذين يحررون الرسائل الديوانية ربما كانوا يعرفون الفرق بين الحديث اليومي وبين الفصحى، لكنهم لا يعرفون الشكل الذي يستخدمونه.
لا يفسر جو المرحلة الفكري وحده نشأة النحو على النحو الذي قالت به حكايات نشأته؛ فهناك أيضا الاعتقاد المشترك بين الناس الذي يتولد عن حاجة غامضة إلى المحافظة. ف «ضرورة المحافظة على الأشكال اللغوية هي التي تدعو إلى الاعتقاد بأن الحالة الثابتة أمر واقع. وككل اعتقاد غريزي، يبلغ من قوة هذا الاعتقاد ألا يعد هذا الواقع واقعا ذاتيا محضا، بل ينتهي إلى أن يتشيأ، وبفضله تكون التغيرات أبطأ مما لو عدم هذا الوهم الضروري الحيوي.»
30
أين العقل من هذا الاعتقاد ؟ حاضر، ولكن مهمته أن يبين للناس أخطاءهم اللغوية؛ أي ينبغي أن يشغل في حدود تعريف الناس بما يرتكبونه من ضلاله حين يتحدثون، كما ورد في الأثر، عن وصف لحن أحد الرجال. يستخدم العقل هنا لدعم الإيمان بقدسية اللغة العربية في أن تظل كما هي، وسيظل هذا الدعم لكي تجتمع حرارة الإيمان بقدسية اللغة العربية مع حجج العقل.
حين كف الجو الفكري للمرحلة التاريخية التي نشأ فيها النحو كف النحو عن متابعة صورته المعيارية ليناسب جوا فكريا آخر، سنعرفه ونحن نتابع تطور مفهوم النحو. أكتفي هنا بالقول: إن كل تطور في مفهوم النحو تلاءم مع الجو الفكري للمرحلة التاريخية، وإن هذا ما جعل النحو يستمر؛ ذلك أن علما ما إذا ما أراد أن يستمر فعليه أن يتطور. غير أن تطور مفهوم النحو لا يعني أنه لم يبق حول موضوعه الأول، بل بقي متصلا مع نشأته الأولى، لكن من دون انخراط كلي فيه.
الافتراض الضمني لنحو أبي الأسود الدؤلي
سأدرج هذا القول من مقدمة ابن منظور لمعجمه لسان العرب، وسيتضح فيما بعد السبب. يقول ابن منظور: «فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون.» ما العلاقة بين لسان العرب وبين سفينة نوح؟ هناك فكرة وراء أحداث قصة نحو يمكن أن أصوغها على النحو التالي: في يوم ما وجد مجتمع مثالي، ثم حلت الكارثة بهذا المجتمع حيث تمادى الناس في المعصية، وتعاظمت منه الخطيئة، فحل الطوفان من أجل بناء مجتمع مثالي خال مما يشوبه. وسفينة نوح هي الأداة كما أنها هي النواة الأولى. أما الزوجان من كل شيء فهو فإشارة إلى بداية حياة جديدة، ونواة أولى لمجتمع صاف.
يمكن أن نسحب هذا التأويل على معجم لسان العرب؛ فالفكرة الرئيسة وراء عمل ابن منظور يمكن أن أصوغها على النحو التالي: في يوم ما كان هناك مجتمع صاف يتكلم اللغة العربية، ويحافظ عليها كما يحافظ على وجوده، وفيما بعد حلت به الكارثة؛ إذ شرع المجتمع يتفاصح ويتحدث بلغة أخرى غير لغته العربية؛ لذلك فالحاجة ماسة إلى إعادة ذلك الصفاء.
من هذه الزاوية هناك يوتوبيا؛ محاولة لاسترجاع حالة الصفاء اللغوي بدأها قبل ابن منظور أبو الأسود الدؤلي. وسواء أكانت ابنته أم من خاطب زيادا؛ فإن هناك من عكر صفاء اللغة. والحالة هنا ليست فردية، إنما هي حالة عامة. لقد كانت المهمة جسيمة، شحذت قوى أبي الأسود الدؤلي وقوى نحويين ولغويين آخرين، فانطبع تفكير أفضل علماء تلك المرحلة بطابع استرداد حالة النقاء.
عبر انشغال أبي الأسود الدؤلي عن فرضية هي أن اللغة العربية لم تعد لغة نقية وصافية كما كانت عليه في زمن مضى، وصادق على فكرة تنزع إلى هيمنة لغة وصفت بكونها مقدسة أنزل الله بها كتابه. وبالتالي فأبو الأسود الدؤلي لا يعبر عن رأي شخصي، إنما يستجيب ويدعم اختيارا وتحيزا لمستوى من اللغة تكرس في الغيب قبل أن يكون بين الناس.
أحد مفاتيح المستقبل موجود في النحو؛ ذلك أن فيه رؤية حياة جديدة نقية وصافية تكاد تعدل الحياة الجديدة النقية والصافية التي بدأتها سفينة نوح. قد يعالج النحو مشاكل اللحن في اللغة العربية كالمشاكل الصرفية والمعجمية والنحوية ... إلخ. وهذه الرؤية الشاملة قد نضعها في موازاة النظرة الشاملة لسفينة نوح من حيث هي وعد بعصر ذهبي، وبشرى للعالم.