يحضر الأعرابي في تاريخ النحو على مستوى الشواهد النحوية، وهذه ليست النحو؛ إنما هي من جنس الأشياء النافعة كالتي تحضر إلى الإسكافي أو النجار أو البناء. الشواهد النحوية التي نقلها الأعرابي ليست النحو، إنما هي عظام النحو مثلما أن الجلد هو عظام الحذاء، والصوف هو عظام الثوب، والحجر هو عظام البيت. يترتب على هذا أن مهنة الأعرابي تختلف عن مهنة النحوي مثلما تختلف مهنة الدباغ عن مهنة الإسكافي ومهنة الصواف عن مهنة الخياط ومهنة من يقتلع الحصى ويشذبها عن مهنة البناء. الأعرابي عبر عن الاختلاف بقوله: يتحدثون بكلامنا عن كلامنا بما ليس من كلامنا. وبالفعل هذه هي مهنة النحوي مثلما جسدها أبي الأخفش.
وفق أحد الباحثين ما كان للنحو لينشأ إلا أن يكون نحوا تعليميا وليس نحوا علميا، وبتعبيره «أن يكون في عمومه نحوا معياريا لا نحوا وصفيا.»
13
من الصعب ألا نتفق معه؛ لأن النحو المعياري هو المدى المدرك في تلك المرحلة التاريخية. وكما سنعرف فيما بعد
14
فقد فكر في اللغة العربية، وفي النحو العربي تحت ضغط الظرفين التاريخي والأيديولوجي. وعلى أي حال، قد يخطئ المرء إذا ما أول حماس بعض المعاصرين كتمام حسان للنحو الوصفي على حساب النحو المعياري على أنه رغبة منه في أن يذل النحو التعليمي أمام النحو العلمي. ليس الأمر كذلك إنما هو تقويم أفكار القدماء في ضوء تطور الفكر اللغوي المعاصر؛ ذلك أن دراسة تمام حسان التي استشهدنا منها أعلاه «تعد من أخطر الدراسات الحديثة وأهمها في اللغة العربية، ولا أكون مبالغا لو قلت: إنها أشمل دراسة مستوعبة لكل جوانب اللغة. وهي إلى جانب ذلك أكثر تقديرا واحتراما لجهد القدماء، وتعتمد في كثير من جوانبها على نتائج دراساتهم، وتضعها في سياق لغوي حديث.»
15
فيم تتمثل السمة التي يجب أن يتسم بها النحو العربي؛ لكي يكون نحوا علميا؟ تتمثل من وجهة نظر تمام حسان في أن تكون دراسة النحو دراسة للتركيب؛ فالجانب التحليلي من دراسة النحو لا يلتفت إلى معنى الجملة، لا من الناحية الوظيفية العامة، ولا من ناحية الدلالة الاجتماعية.
16
وبما أنه لا يوجد عمل متقن من دون نفع تماما،
17
فقد كان النحو المعياري وهو بطبيعة الحال عمل متقن وفريد في الثقافة العربية القديمة نافعا في مرحلته التاريخية، وفي المستوى الذي وصلت إليه العلوم العربية آنذاك. لم يفشل في الغاية، وإن لم ينجح نجاحا نهائيا. لكن الأهم أنه يمثل بداية لا تقل أهمية عن بدايات كبرى؛ الأمر الذي جعل البعض يضع الحكايات عن نشأته؛ فالناس يبحثون عن تفسير لكل الأشياء، وحين لا يعرفون يؤلفون الحكايات. ربما تبدأ الحكاية مما هو تاريخي (واقعي) ثم تتوسع إلى ما هو أبعد لتتحول إلى حكاية صافية. لكن هذا التحول لا يحول دون دراستها؛ فالحكاية مهما جنحت إلى الخيال؛ فهناك إمكانية لأن نقتفي أثر نقطة ما هي بذرتها الحميمية، وهذه البذرة التي سنقتفي أثرها هنا هي أسس النحو الثقافية والاجتماعية.
هناك شخصيتان مختلف على أي منهما هو بطل حكايات نشأة النحو.
18
الشخصية الأولى هي علي بن أبي طالب، وقد ذهب الأنباري والقفطي إلى أنه هو البطل. والثانية هي أبو الأسود الدؤلي، وقد ذهب ابن سلام وابن قتيبة والزجاجي وأبو الطيب اللغوي والسيرافي والنديم إلى أنه هو البطل.
لا يمكن أن نكون سذجا لكي نصدق. فكما قلنا أعلاه فالوضع المنسوب لرجل واحد كعلي بن أبي طالب أو زياد بن أبيه أو نصر بن عاصم أو أبي الأسود الدؤلي تبدو الكلمة غير المناسبة لفهم عملية معقدة كنشوء النحو العربي. فما يبرر القيمة الحقيقة لوضع النحو العربي ليس العقل الخاص لهؤلاء، إنما العقل الجماعي. وما يجعلنا نتوقف عند الحكايات المرتبطة بوضع النحو هو أن هذه الحكايات تمثل من وجهة نظرنا إعادة سرد حدث مهيب وجليل هو بداية النحو. وهو ما يساعد على أن نستشف القيمة الكبرى التي أعطيت لنشأة علم النحو في الثقافة العربية الإسلامية.