لقد نشأت الحاجة إلى تركيب نظري كالنحو؛ بسبب نمو المجتمع العربي الإسلامي وتطوره. وإذا ما تأملنا النحو بوصفه تركيبا نظريا، فسنلاحظ أنه يوسع المعرفة النحوية التي يستقيها من الناطقين باللغة العربية. فتبعا للقدماء فالعربي من أهل الوبر يرفع الفاعل، ليأتي النحو بعد ذلك ليوسع معرفتنا بالفاعل إعرابا وتقديما وتأخيرا ... إلخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الناطقين باللغة العربية يتجلون في النحو العربي؛ فوظيفة الناطقين إثارة التفكير النحوي؛ فالعربي من أهل المدر الذي نصب الفاعل يثير تفكير المهتمين باللغة العربية. يعني هذا أن مهمة النحو لا تتعلق بالناطقين، إنما تتعلق باللغة التي يتواصلون بها؛ فالفرق بين الأعرابي الذي قال: يا سبحان الله! يلحنون ويرزقون، وبين أبي الأسود الدؤلي الذي وضع الفاعل والمفعول، هو الفرق بين الأعرابي الناطق الذي يفكر في الناطقين، وبين النحوي الذي يفكر في اللغة. ولا يمكن أن نقدر أهمية هذا التطور، إلا إذا نظرنا إلى تلك المرحلة التاريخية في إطار موقعها التاريخي.
عند بعض مؤرخي النحو العربي وجد النحو مشكلته الأولى ضمن ملاحظات مرضية يعبرون عنها بفساد الألسن وجرثومة اللحن وتسرب الضعف إلى سليقة العربي.
2
من منظور الصحة والمرض يمكن عرض المسألة على النحو التالي: الرجال الأصحاء الذين لا يعكر صحتهم شيء لن يعرفوا علما للصحة،
3
كذلك هم العرب الفصحاء لن يعرفوا علم النحو. هذا ما توحي به حكاية الأعرابي الذي وقف على مجلس الأخفش، فحار وعجب وأطرق ووسوس. فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: أراكم تتكلمون بكلامنا عن كلامنا بما ليس من كلامنا.
4
قبل الإسلام لم يكن العرب في حاجة إلى تركيب نظري يسمى النحو؛ لأنهم في غنى عن ذلك؛ فقد «كانوا ينطقون عن سليقة جبلوا عليها، فيتكلمون في شئون حياتهم من دون تعمل فكر، أو رعاية إلى قانون كلامي يخضعون له، قانونهم ملكتهم التي خلقت فيهم، ومعلمهم البيئة المحيطة بهم.»
5
ماذا يعني هذا للأعرابي الذي حضر مجلس الأخفش النحوي؟ يعني أن الأعرابي يقف خارج العلم؛ أي في الحياة قبل العلمية (دون تعمل فكر أو رعاية إلى قانون كلامي)، ولا يوجد في محيطه أشخاص يمتهنون النحو (غنيون عن تعرفه)، ولا وجود لتقاليد علمية نحوية منحدرة من أشخاص نحويين يؤثرون فيه (معلمهم البيئة المحيطة بهم). ينتمي الأعرابي إلى مجتمع ما قبل علمي (قانونهم ملكتهم التي خلقت لهم) تشترك فيه كل الذوات الفردية لجماعة (نحن) في صورة المجتمع، وفي نمط وضعياته المألوفة؛ أي نحن عائلتنا، نحن فخذنا، نحن قبيلتنا، نحن العرب.
6
في المقابل، يقف الأخفش داخل العلم، وفي الحياة العلمية، وفي تقاليد علمية منحدرة من علماء نحو أثروا فيه. أن يكون الأخفش عالما من علماء الطبقة الخامسة في تاريخ النحاة فذلك يعني أنه ينتمي إلى جماعة علمية تتشكل من مجموع الفاعلين فيها، وأن يكون منتسبا إلى جماعة علمية نحوية، فذلك يعني أن يدمج وأن يخضع لموضوع مراقبة اجتماعية.
7
والخلاصة: «أن الامتثال لانتظارات الزمرة وتوقعاتها ليس ثمرة رغبة الأفراد وحدها، إنه نتاج مران على دور اجتماعي يسبق دخولنا الحياة المهنية، ونتاج ضبط مستمر (دوزنة) لأبناء المؤسسة العلمية بواسطة أنفسهم.»
8
يستحق مفهوم «الحياة المهنية» أن نتوقف عنده. لماذا لا نعتبر النحو مهنة من المهن التي تنشأ بين مرحلة تاريخية وأخرى؟ بالفعل هو مهنة. وما يشير إلى ذلك أن كتاب سيبويه خرج إلى الناس بسبب التكسب؛ فقد روي أن الجرمي والمازني تشاورا على أن يحيلا بين أستاذهما الأخفش وبين كتاب سيبويه الذي ضن به بترغيبه في المال؛ إذ كان الجرمي ثريا فقرآه عليه.
9
لكل مهنة مهمة تخصها. لا يتعلق الأمر بمهمة يؤديها أفراد، إنما بمهمة مترابطة في حياة اجتماعية، وعبر سلسلة من الأجيال والأزمنة. في البداية يعي شخص ما فكرة في شكل تخمين، أو شعور. قد تكون فكرته، وقد تكون فكرة آخرين تبناها واعتبرها فكرته، لكن مجرد كونها فكرة مشروع أولي فهي لا تعطي أهدافا؛ لأن الهدف يضعه الفرد (الأنا) في الفعل (أنا أريد) من أجل هدف (على هذا الهدف أن يتحقق)، وبفضل إرادة الفرد (أنا أريد) تصبح الفكرة قصدا جديا.