وكان الحسن بن علي رضي الله عنه في عهد عثمان في عز الشباب وعنفوانه ، فقد كان في سن يسمح لصاحبها أن يستوعب ما يدور حوله ويتعلم من الأحداث ومن سياسة الخليفة الراشد عثمان ومن حوله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أهم الدروس التي استوعبها الحسن بن علي هي :
1 ـ الفقه العمري في الاستخلاف :
استمرّ اهتمام الفاروق رضي الله عنه بوحدة الأمة ، ومستقبلها حتَّى اللحظات الأخيرة من حياته ، رغم ما كان يعانيه من آلام جراحاته البالغة ، وهي بلا شك لحظات خالدة ، تجلَّى فيها إيمان الفاروق العميق ، وإخلاصه ، وإيثاره(1) ، وقد استطاع الفاروق في تلك اللحظات الحرجة أن يبتكر طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختيار الخليفة الجديد ، وكانت دليلاً ملموساً ، ومعْلماً واضحاً على فقهه في سياسة الدّولة الإسلامية ، لقد مضى قبله الرّسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يستخلف بعده أحداً بنصٍّ صريح ، ولقد مضى أبو بكر الصِّدِّيق ، واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصَّحابة ، ولمَّا طُلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت ، فكر في الأمر مليّاً ، وقرّر أن يسلك مسلكاً آخر يتناسب مع المقام ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ترك النّاس ، وكلهم مقرُّ بأفضلية أبي بكر ، وأسبقيته عليهم فاحتمال الخلاف كان نادراً ، وخصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وجّه الأمة قولاً وفعلاً إلى أن أبا بكر أولى بالأمر من بعده والصِّدِّيق لما استخلف عمر ، كان يعلم : أنّ عند الصحابة أجمعين قناعة بأنّ عمر أقوى ، وأفضل من يحمل المسئولية بعده ، فاستخلفه بعد مشاورة كبار الصحابة ، ولم يخالف رأيه أحد منهم ، وحصل الإجماع على بيعة عمر(2) ، وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد ، فتعتمد على جعل الشورى في عدد محصور ، وقد حصر ستَّة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم
(1) الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني صـ 161 .
(2) أوليات الفاروق للقرشي صـ 122 .