تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه السفرة أحيل علينا الكشف على شلال أسوان لبيان الطريق الأوفق لسير المراكب، فاكتشفنا ذلك، وقدمنا به جريدة ورسما، فأتى على الغرض المطلوب، ومذ كنا بأسيوط أمرنا بالذهاب إلى منفلوط لبيان ما يلزم عمله في تحويل البحر عنها، فتوجهنا مع الكاشف جمال الدين كبير هذه المدينة، وقررنا ما يلزم إجراؤه لمنع هذا الداء العضال، فأجري وحصلت نتيجته.

ثم لما عدنا إلى المحروسة صدر الأمر بتوجهنا إلى القناطر الخيرية لمشورة مع موجيل بك باشمهندسها فيما يلزم عمله لتسهيل سير المراكب بها ومنع العطب عنها، فإن الخطر كان متتابعا فيها لشدة التيار هناك لأن القناطر كانت قد قاربت التمام، ولم يبق إلا فتحات الوسط، فكان كثير من المراكب يتعطل إن لم يعطب، وكان موجيل بك قد أبدى رأيا بعمل ترع تمر فيها المراكب، وقدمه للمرحوم عباس باشا فلم يوافقه عليه لما في ذلك من كثرة المصرف، وهذا هو السبب في تعيننا، فبالتداول اتفقنا على استعمال وابورات تسحب المراكب بالأرغاطات، وعرض ذلك عليه فأعجبه، وأجرى به العمل وأبطل التصميم الأول، وكان كثيرا ما يحيل علينا أشغالا ترد من الدواوين مما يتعلق بالهندسة فنقوم بها.

وفي أواخر سنة 66 كان قد عرض عليه من طرف لامبير بك ترتيب للمدارس الملكية، والرصدخانة، يبلغ منصرفه نحو عشرين ألف كيس، فاستعظمه وأحال علينا النظر فيه بشرط أن لا نفشيه، فتداولنا ذلك بيننا أياما، ولم تتفق آراؤنا، فخفت فوات الوقت قبل تمام العمل، فشرعت وحدي في عمله من غير انتظار لرأي أحد، فعملت لجميع المدارس ترتيبا بلغ منصرفه ألف كيس، وجعلت أساس ذلك احتياجات القطر لا غير، وأن جميع المدارس الملكية تكون في محل واحد تحت إدارة ناظر واحد، وأسقطت الرصدخانة بالمرة من الترتيب لعدم وجود من يقوم بها حق القيام إذ ذاك من أبناء الوطن مع احتياجها إلى كثرة المصرف، وأبديت في الترتيب أنه يلزم توجيه جماعة إلى بلاد الإفرنج ليتعلموا فنون الرصدخانة، وبعد قدومهم تفتح إدارتها، وعينت لذلك محمود باشا الفلكي، وكان إذ ذاك برتبة صاغقول أغاسي وإسماعيل باشا الفلكي، وحسين بك إبراهيم وكان من التلامذة الذين تمموا دروسهم، ثم قرأت ذلك الترتيب على رفيقي، فلم يوافقاني عليه، فقلت هو عندنا محفوظ، فإن لم نعمل غيره نقدمه ليمتنع عنا اللوم، وقد كان ذلك عين الصواب؛ لأنه بعد قليل طلب منا تقديم الترتيب، ولم نكن عملنا غير هذا فقدمناه، فاستغربه المرحوم عباس باشا وعجب مما فيه من الأصول المخترعة مع قلة مصرفها، وقال: من عمل هذا؟ فقلت: أنا عملته، ووجد آراء صاحبي مختلفة ومخالفة لذلك، فأحال النظر فيه على مجلس ينعقد من جميع رؤساء الدواوين مع حضوري وحضور لامبير بك، فانعقد المجلس ثمانية أيام وبعد المناقشة الطويلة استقر رأي الجميع على هذا، وصدرت خلاصة باستحسانه واستحقاقي رتبة أميرالاي، فطلبني المرحوم عباس باشا، وسألني عما أراه من نجاح هذا الترتيب وعدمه لدى العمل به، فقلت: «هذا رأيي، فإن أحسن مديره إدارته وأجراه على فهم منه وبصيرة نجح، وإلا فلا، فإن الساعة المضبوطة الدقيقة الصنعة يفسدها من لا يحسن إدارتها من جاهل أو مفرط وتدوم على حالها إذا كانت بيد من يحسن إدارتها»، فعجب من جراءتي واستحسن جوابي، وقال: فهل تضمن ذلك؟ فقلت: وكيف وقد ضمنه الجميع بالقرار الذي عملوه!، فأحال علي نظارتها وأعطاني الرتبة والنيشان وجعل علي باشا إبراهيم معلم نجله إلهامي باشا، وحماد بك ناظر قلم هندسة برتبة بيكباشي فأجريت إدارة المدارس المهندسخانة وما يلحق بها، وأحال علي تعيين معلمي المفروزة وترتيب دروسها واختيار ما يلزم لها من الكتب؛ فأجريت ذلك، وكان لي عنده منزلة.

وفي مدة نظارتي كنت أباشر تأليف كتب المدارس بنفسي مع بعض المعلمين، وجعلت بها مطبعة حروف، ومطبعة حجر، طبع فيها للمدارس الحربية والآلايات الجهادية نحو ستين ألف نسخة من كتب متنوعة غير ما طبع في كل فن بمطبعة الحجر للمهندسخانة وملحقاتها من الكتب ذات الأطالس والرسومات وغيرها مما لم يسبق له طبع، واستعملت في رسم أشكالها وأطالسها التلامذة لا غير، وقد حصل منها الفوائد الجمة العمومية، وكل ذلك كان لا يشغلني عن التفاني للتلامذة في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وتعليمهم وغير ذلك، وكنت أباشر ذلك بنفسي حتى أعلم التلميذ كيف يلبس وكيف يقرأ وكيف يكتب، وألاحظ المعلم كيف يلقي الدرس وكيف يؤدب التلامذة، ولا يمضي يوم إلا وأدخل عند كل فرقة وأتفقد أحوالها مع التشديد على الضباط والخدمة حتى الفراشين في القيام بما عليهم كما ينبغي، فاندفع بذلك عن التلامذة مضار عمومية ومفاسد كثيرة، ولم أكتف بذلك، بل جعلت على نفسي دروسا كنت ألقيها على التلامذة كالطبيعة والعمارة، وألفت في العمارة كتابا بقي متبعا في التعليم بالمدارس وإن لم يطبع.

حياتي · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٨