تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما اتفق لي أني تزوجت قبل سفري هذا بعد موت زوجتي الأولى بقريبة أحمد باشا طوبسقال؛ وكانت ذات مال وعقار، وكانت يتيمة غره بمنزلة الطفل الصغير لا تحسن التصرف ولا تميز الدرهم من الدينار مع كثرة إيرادها وتعدد أملاكها، وكان جميع أمرها بيد غيرها، والسبب في ذلك أن أمها كانت تزوجت برجل يعرف براغب أفندي، فماتت عنده الأم وبقيت البنت عنده يتيمة صغيرة، فتزوج بامرأة أخرى، فكانت زوجته الجديدة قيمة هذه اليتيمة والقائمة بأمرها والكافلة لها مع راغب أفندي، فاتخذتها البنت كأمها، وكانت المرأة لا تطلعها على شيء ولا تمكنها من شيء، فلا تفعل ولا تقول إلا ما تريد منها هذه المرأة، فلما دخلت بها خافت المرأة ومن معها أن أطمع في أموال هذه اليتيمة أو أعرفها بحقوقها فتطالب بها وتنزعها من أيديهم، فأساءوا عشرتي وبالغوا في إساءتي إلى حالة لا تحتمل، وغاية لا تتصور، حتى مللت وملت بعد أشهر قليلة إلى العزلة عنهم بزوجتي، فازداد بالمرأة الخوف من انتزاع ما استحوذت عليه من مال هذه اليتيمة، فتوسلت بجلبي أفندي الكلشني إلى والدة المرحوم عباش باشا، فرمى في عند حسن باشا المناسترلي وأغرى بي أغوات السراي حتى داخلني الخوف واشتد بي الكرب، واتسعت القضية ودخلت المرأة المذكورة إلى سراي الوالدة المشار إليها بعرضحال زورته عن لسان زوجتي بالشكاية مني كذبا، فلما وقفت المشار إليها على الحقيقة صدر أمرها بإعطائي زوجتي.

فعند ذلك استطلعت الكافلة المذكورة بمعونة جلبي أفندي وأعوانه وثيقة جردوا فيها اليتيمة عن جميع أملاكها، وأشهدوا عليها بدين جسيم لكافلها، ووضعوا عليها شهادة جماعة من الترك بخط الدري كاتب المحكمة الكبرى، وأنا لا أعلم بشيء من ذلك، ثم أخرجوها لي مجردة ما عليها إلا ثيابها مع أثاث قليل، فأقمنا أياما في راحة، وكانوا قد دسوا لها من قبل أني أغدر بها وأقتلها، استعانة بذلك على تجريدها من أملاكها بإيهامها أن هذا أمر ظاهري أرادوا به حفظ أموالها وأملاكها من تسلطي عليها وانتزاعي لها، فيبقى ذلك عندهم حتى تريده فيكون لها متى شاءت حين تأمن غائلتي، فلما ذهب خوفها وأمن روعها ولم تجد مني تطلعا لشيء من ذلك ولا أثرا مما خوفوها به، أخبرتني بالحجة التي جردوها بها، وأنها تركت حليها هناك، وطلبت مني الإذن في التوجه إليهم لتأتي به إذ لم تجد شيئا مما كانت تخافه، فقلت لها: إن ذلك لا يجدي وهذه حيلة تمت عليك، فلم تسمع، وذهبت ورجعت خالية اليدين باكية العينين حزينة آسفة على ما تم عليها من الحيلة، فحملتني الرأفة على أن أسعى لها في استخلاص حقها، فقدمت في ذلك عرضحال بصورة الواقعة للمرحوم عباس باشا، واتسعت القضية، ونظرت في الدواوين والمجالس، ودخل فيها القاضي والمفتي، ولما حصحص الحق دخل فيها جلبي أفندي بالوسائط حتى خوفني الكتخدا بالنفي إلى السودان إن لم أكف عن هذه القضية، وبعد طول النزاع تممتها بالصلح، فرجع لها العقارات والأوقاف، وضاع عليها المال، وبطل عنها الدين، ولم أصل إلى هذه الغاية إلا بعد أن قاسيت في ذلك من الشدائد والأهوال وعجائب الأحوال ما لو وصفته لطال الشرح واتسع المجال .

وقد بنيت بيتها من مالي، وصرفت عليه نحو ستمائة كيس، وكان موقوفا عليها، فأرادت إشراكي فيه معها في نظير ما صرفته، وكان ذلك لها بمقتضى شرط الواقف، فقبلت ودخلت معها في الوقفية، وكتبت الوثيقة بمحضر من العلماء والأمراء والأعيان، فلما كنت في الأستانة دخلت عليها كافلتها المقدم ذكرها، وقالت لها: إن الرمل أخبر بأن زوجك يموت في سفره، وصدق على ذلك جماعة من حواشيها وحسنوا لها إبطال الحجة المتضمنة حصتي في وقفية البيت، ثم لاذوا بجماعة من أصحابنا الذين لنا عليهم المعروف ليشهدوا لهم بأن الحجة مزورة، وأن التي نطقت يوم كتب الحجة إنما هي أختي تمثلت بها، فظنوها إياها، وحملوها على أن كتبت في عرضا يتضمن أن أخذت أموالها ومتاعها، ثم أرسلوه إلى ابن عمها في الأستانة، وكنت معه في محل واحد، فأرانيه، فقرأته، وأخذت نسخته وسلمته إليه، وقلت: «لا ثمرة الآن في المنازعة هنا فأحفظه عندك حتى نعود إلى مصر، وهناك تظهر الحقيقة، فإن مت قبل ذلك فلها جميع ما يورث عني».

حياتي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ١٠