تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونسفت أيضا محطة قابس الكبرى عند دخول القطار إليها، وكان حادثا مهولا دمر المحطة بما فيها والقطار نفسه، ومات فيه عدد من الناس.

وشرع الوطنيون أيضا في نسف الجسور في جميع أنحاء المملكة، فمنها ما خرب تماما، ومنها ما أصبح غير صالح للمرور، ومنها ما لحق به أضرار. (5) الاعتداء المسلح وأثره في العلاقات التونسية الفرنسية

إن أول ما يتبادر إلى الذهن السؤال عن المسئول الحقيقي في تلك الحوادث كلها، وهل هناك مسئول أم مسئولون؟ فمن أصدر الأمر إلى المقيم العام في استخدام العنف وجميع أساليب القمع والقتل وإراقة الدماء؟ من أراد الاعتداء المسلح على الشعب التونسي الأعزل؟ خاصة وأن الوزارة الفرنسية كانت مستقيلة في ذلك الحين. وقد تبين فيما بعد أن موريس شومان

Maurice Schumann

نائب وزير الخارجية الفرنسية قد عجل بإرسال برقية مفصلة إلى «دي هوتكلوك» المقيم العام الفرنسي بتونس ليلة الثلاثاء 15 يناير، ولم يستشر فيها الوزير المسئول حتى لا تفسد عليه مؤامرته التي دبرها باتفاق مع رؤساء الجالية الفرنسية بتونس، وينبغي ألا ننسى أنه ناصب العداء للتونسيين وكان العامل الفعال الذي أملى على الحكومة الفرنسية نفسها مذكرة 15 ديسمبر التي قطعت أثرها المفاوضات بين تونس وفرنسا. ومن الملاحظ أيضا أن أمره للمقيم العام قد سبق جميع الحوادث وكان السبب الرئيسي لها، وأن جريدة «ليموند» تحمله تلك المسئولية؛ إذ قالت في عددها الصادر في 20 / 1 / 1952 ما يلي:

ومن الناحية الفرنسية فقد صدرت تعليمات فيها شيء من الدقة إلى المقيم العام، من غير شك في غضون ليلة الثلاثاء، وباتفاق عام بين الوزراء الأصليين الذين وصلت إلى علمهم تليفونيا، وقد عرضت البرقية التي حررت بوزارة الخارجية على المسيو بليفن وكوي ولانيال وبيدو وإدجار فور الذي لم يتسلم بعد مقاليد الأمور، فأرجع المسألة إلى كوي، وقد وقع أعلام رئيس الجمهورية وأدخلت عليها تحقيقات طفيفة خاصة بطلب من رئيس الدولة، وأخذ موريس شومان على عاتقه قبولها.

ووزير الخارجية هو المسئول عن سياسة فرنسا بتونس، وهو معروف بميله إلى الوفاق، ولكنه كثير العمل، وتعدل إداراته أقواله وأوامره بنوع من الدقة.

واهتز الرأي العام الفرنسي، واشتغل بحوادث تونس واهتم بها اهتماما كبيرا، وثارت بعض الصحف على موريس شومان وأعماله التي لا توصف، فكتبت جريدة فران تيرور

Franc Tireur

الفرنسية بتاريخ 19 / 1 / 1952:

إن الاعتداء الظاهر بتونس يؤيد تأييدا جليا قويا شكوى الحكومة التونسية.

حكومة مستقيلة وحكومة لم تشكل! قرارات هامة توجه سياسة فرنسا بتونس! من المسئول عنها؟ ليس «دي هوتكول»، وهو شخصية ثانوية وضعته الصدف في تنقلات السفراء على رأس الإقامة العامة؟!

وقع التأكيد أن المسئول هو موريس شومان المستقيل؛ لأنه يبغض الحبيب بورقيبة على دعواه.

وهو الذي سعى في الخلط والخلبطة فأمر باعتقال الشيوعيين!

مناورة صبيانية ومهزلة لم تنطل على أحد ... الاضطهادات وسفك الدماء، إيقافات من غير حق ... فهي طريقة غريبة تذكرنا بفيشي والألمان لتعليم «المحمية» دروس الديمقراطية!

أما المقيم العام بتونس فإنه أصبح كالريشة في مهب الرياح وسط تلك العاصفة القوية، فأخذ في أول الأمر يقوم بمناورات صبيانية، فأصدر أمره للبوليس الفرنسي بأن يلقي القبض على قادة الحزب الحر الدستوري وعلى القادة الشيوعيين في آن واحد، فاعتقل لذلك السبب يوم 18 / 1 / 1952 موريس نيزار ومحمد جراد أميني الحزب الشيوعي، وخميس الكعبي عضو هيئته العليا، وبلعيش الأمين العام للنقابات الشيوعية، وقد قصد بذلك بث الريب، وإرادة الخلط والتشويه؛ حتى يظن الرأي العام العالمي أن الحركة الوطنية والحركة الشيوعية شيء واحد، وقد نسي في غفلته أن زعيم الحزب الحر الدستوري الحبيب بورقيبة كان منذ مدة وجيزة فوق أرض الولايات المتحدة الأمريكية ليبث الدعاية لوطنه، وأن أمريكا لا تسمح بالدخول إلى بلادها إلا لمن لا تشوبه شائبة من الشيوعية أصلا.

تونس الثائرة · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٩٩