تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم تنفذ تلك الدعاية الاستعمارية إلى الجماهير الشعبية وحدها، بل تأثر بها أيضا عدد وافر من المفكرين والساسة حتى أصبحوا يرون في كل من يطالب بحقوقه وحقوق بلاده عدوا لفرنسا ينبغي الإسراع إلى القضاء عليه، ويتوهمون أن الحركات الاستقلالية في البلدان التابعة لفرنسا إنما مصدرها من الخارج والمحرك لها الأجانب، وصور لهم خيالهم الشيوعية في كل مكان ثم نسوها، ورأوا شبح أمريكا ودولاراتها والجامعة العربية ودعايتها والحركات الآسيوية ومفعولها، ولم ينتبهوا إلى نهضة الشعوب المغلوبة على أمرها وتعطشها إلى الحرية، فبقوا يحاربون خيالات وأوهاما، ولم يريدوا التنازل عن أي سلطة وأي نفوذ للشعوب التي وضعها حظها المنكود تحت الحكم الفرنسي، فتعجب منهم أحد المتمسكين بمعاهدة «باردو»، وهو «ميتران» الذي قال ينقدهم:

إنه لعجيب أن نسمع بعض الساسة المعتدلين يستنكرون مطالب الحزب الحر الدستوري الجديد الخاصة باستقلال ذاتي حقيقي، ويختفون في طيات العلم الوطني كلما طلب مثلا تعيين وزير تونسي لشئون التعمير أو أبدى أملا في إيجاد «دولة مشتركة» في أفريقيا. إن وجود جيش وطني تونسي ودبلوماسية تونسية باتصال دائم مع القاهرة وروما وموسكو وواشنطون، لا يثير تخوفاتهم بقدر ما يثيرها إنقاص عدد الموظفين الفرنسيين في الإدارة المباشرة أو تيسير الشئون البلدية بهيئة منتخبة من قبل هيئة انتخابية موحدة!

وفرنسا في سياستها نحو الإمبراطورية عامة وتونس خاصة عجزت عجزا ظاهرا عن متابعة الظروف العالمية والداخلية، ولم تعرف كيف تتكيف لمجاراتها، ولم تتعظ بالدروس القاسية التي تلقتها في مختلف أنحاء العالم، فانجلت عن سوريا ولبنان صاغرة مقهورة، وأضاعت قواها العسكرية والمالية في حرب طاحنة لا هوادة فيها في الهند الصينية، ولم تعتبر بالعبر والشدائد التي قاساها غيرها من الدول، كأنها لم تر هولاندا تغادر إندونيسيا إلى غير رجعة، وأن تشاهد بريطانيا تعطي استقلال الهند طواعية، ولم تتفطن إلى انهيار إمبراطوريتها نفسها وتقطع أوصالها وانفصال أجزائها، ولم تراع العوامل والقوات التي تؤثر تأثيرا مباشرا على الوحدة الفرنسية كما قال أحد ساساتها: ... إن اجتماع الوطنية والشيوعية وما اتفق على تسميته بهذا الاسم الغامض: الاستعمار، كان من المتحتم أن يؤدي إلى انفجار: اثنان ضد واحد، فهل تكون الكلمة الأخيرة للقوة؟ وهكذا تتعرض الوحدة الفرنسية الناشئة من مؤتمر برازافيل، ومن دستور 1946 إلى تطورات مختلفة، فلاقت حوادث قاسية في مدغشقر وساحل العاجل وتعرضت لهزائم في تونس ومراكش، وتفككت في تونكان ولاوس وكمبوديا في الهند الصينية. (4) الجالية الفرنسية ودورها في المشكلة التونسية

لقد عجزت الحكومات الفرنسية أو تظاهرت بالعجز عن حل مشكلة تونس التي لا تزيدها الأيام إلا تشعبا وتعقيدا، لما تتمتع به جاليتها من نفوذ كاد يكون مطلقا ومن امتيازات فاحشة جعلتها المتصرفة الحقيقية في مصير البلاد وحظوظ العباد، وإذا ما ظهرت الحكومة الفرنسية بمظهر الحكم بين تلك الجالية والشعب التونسي، فإنها تكون دائما حكما ظالما يعزز جانب مواطنيه ويطلق يدهم ويسعى في منحهم حقوقا جديدة، فأصبحت تلك الجالية الفرنسية أكبر عبء على تونس، وأرادت فرنسا أن تظهر أن المشكلة التونسية في جوهرها وكنهها نزاع بين جاليتها وبين الشعب التونسي، وهي تعلم علم اليقين أن احتلالها العسكري للبلاد هو الذي مكن لتلك الجالية التي باتت أكبر مانع لكل تفاهم، وهي في الحقيقة نتيجة لسياسة التعمير التي تبعتها فرنسا منذ احتلت تونس رامية من وراء ذلك إلى فرنسة البلاد وإلحاقها بالتراب الفرنسي.

وكان عدد الأوروبيين عند توقيع معاهدة «باردو» (1881) لا يفوق العشرات، فأصبح اليوم حسب الإحصاءات الفرنسية نفسها 239,549 نسمة منهم 140 ألف فرنسي، وقد أرادت فرنسا أن تعطي لتلك الأقلية من الفرنسيين حقوقا سياسية بتونس، فتشركهم مناصفة في الحكومة التونسية والبرلمان التونسي وجميع مؤسسات الدولة، مع أنهم أجانب لا يمكن قانونا وشرعا أن يكون لهم حق المواطن في بلاد أجنبية مرتبطة ببلادهم بمعاهدة دولية.

تونس الثائرة · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٩