تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعندما تقدم الحكومة الفرنسية هذا الإصلاح كوسيلة أولية ضرورية لتنمية الديمقراطية التونسية، تصرح الحكومة الفرنسية بغاية الارتياح أن القاعدة الأساسية لكل ديمقراطية هي أولا وبالذات «السيادة الموحدة» فبدون وحدة السيادة التي يجب الاعتراف بها قبل فتح أية مباحثة تصبح الديمقراطية التونسية صورة مشوهة للديمقراطية الحقة. ويصبح الوضع الذي تتمثل فيه هذه الديمقراطية وهما وغرورا.

وعندما تؤكد الحكومة التونسية مبدأ وحدة السيادة، فإنما تعبر بكل صدق عن إرادة مولاي المعظم التي أعرب عنها بوضوح في خطاب 15 مايو 1951 والتي تقضي بالسير بالنظام الملكي التونسي نحو نظام ملكي دستوري يتمشى والطموح القومي من جهة، ومع المعاهدات في «أسمى وضع معانيها» من جهة أخرى.

بيد أن خطابكم بتاريخ 15 ديسمبر 1951 أهمل هذه الناحية الأساسية للمسألة التونسية فأدى إلى نكث ما تعهدت به فرنسا من يوم 12 مايو 1881 إلى 17 أغسطس سنة 1950، وذلك لتمسككم الصريح بمبدأ مشاركة الفرنسيين في تسيير أنظمة الحكم في المملكة التونسية.

إن حكومة صاحب الجلالة تشعر بأنها أظهرت غاية المجاملة والتسامح أثناء قيامها بمهمتها الشاقة في المفاوضات، ولا يسعها إلا أن تأسف للإحجام الذي منيت به الحلول الرشيدة المقدمة من الجانب التونسي منذ عام ونصف تقريبا.

ومما لا ريب فيه أن موقف حكومة الجمهورية الفرنسية وإن لقي كامل الرضى والاستحسان من قبل الجالية الفرنسية في تونس التي تعارض أشد المعارضة التطورات الضرورية، قد أدخل على جميع التونسيين مع الأسف شديد الحيرة والأسى.

وإني وزملائي لما لنا من الشعور السامي بمسئوليتنا نحتفظ لأنفسنا تجاه هذه الحالة بحق استخلاص جميع العبر والنتائج لانتهاج الطرق التي تقتضيها المصالح العليا التي هي في عهدتنا.

إمضاء

محمد شنيق

رئيس الوزارة التونسية

ولما بلغ الرد الفرنسي إلى الشعب التونسي عم الغضب والاستياء واهتز الرأي العام اهتزازا لما فيه من مخالفة للوعود الرسمية، ونكث للعهود وخرق للمعاهدات، وتحد لعواطف شعب كامل واعتداء مفضوح على سيادته وكيانه.

واجتمعت المنظمات القومية كلها وأرسلت برقية احتجاج إلى كل من رئيس الجمهورية الفرنسية «فنسان أوريول» ورئيس الوزارة «بليفن» ووزير الخارجية «روبير شومان» قالت فيها: لقد اختارت الحكومة الفرنسية مساعدة أقلية من أصحاب الامتيازات المتشبثين بفكرة الاستعمار البائدة على احترام ما تمليه المعاهدات من واجبات في إرضاء رغائب الشعب الشرعية.

وإن المنظمات القومية

5

لتجزم من جديد عزم الشعب التونسي على رفض كل سياسة ترمي إلى تدخل جالية أجنبية - بأية صورة من الصور - في الشئون التونسية.

وتتعهد بالالتجاء إلى كل سبيل يمكنها منه القانون الدولي والمحافل الأممية حتى تتخلص في أقرب وقت ممكن من نظام ينافي حق الشعوب في التحكم في مصيرها واختيار نظام الحكم الذي ترتضيه لنفسها.

ولم تكتف تلك المنظمات بالاحتجاج، بل رأت ضرورة القيام بعمل واسع النطاق لعل الحكومة الفرنسية ترجع إلى رشدها، وتبر بوعودها فقررت الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام (21 و22 و23 ديسمبر 1951) كإنذار أول للاستعمار الفرنسي، وبينت دواعي ذلك القرار في الصحافة. «إن جواب الحكومة الفرنسية يعتبر رفضا صريحا لجميع المطالب التونسية، وإن في موقفها نقضا للمعاهدات المحددة للعلاقات بين تونس وفرنسا؛ لأنها جزمت لأول مرة بصفة رسمية مبدأ السيادة المزدوجة وأعلنت مبدأ تفوق مصالح جالية أجنبية على المصالح الوطنية لشعب بأسره.»

وكان الإضراب عاما شاملا كاملا في الأيام الثلاثة في جميع القطر التونسي.

وإن الحكومة الفرنسية تحمل وحدها مسئولية قطع المفاوضات بتلك الطريقة المخجلة؛ إذ إنها أعلنت مناصرتها لآراء جاليتها وأكدت بوجوب المحافظة على امتيازاتها الفاحشة، وقد علق «ميتران» وزير الدولة الفرنسي في جريدة «لوكورييى دي لانيافر» قائلا: «يحسب بعض الفرنسيين حسابا خطيرا عندما يحاولون احتكار جميع ما قامت به فرنسا لمصلحتهم وحدهم، فيظهرون القلق أمام كل ما يمكن أن يبدد سيطرتهم؛ لأنهم يملكون أكثر وسائل الإنتاج.»

تونس الثائرة · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٧٩