ووقفت موقفا غريبا في قضية السكك الحديدية التونسية التي كانت ملكا للدولة التونسية، وقد انتهت مدة الاتفاق في شأنها بين تونس والشركة الفرنسية التي كانت تستثمرها، وكانت هذه الشركة توزع في كل عام على المساهمين فيها أرباحا طائلة وتطالب الحكومة التونسية بأن تسد عجز ميزانيتها، فتمسكت الوزارة التونسية بوجوب تأميم استثمار السكك الحديدية التونسية، وخاصة أن عجز ميزانيتها يدفع دوما من صندوق تونس، وأن الدولة التونسية تقدم في جميع الحالات ضمانها لتسديد ما يتطلبه تجديد ما يلزمها من آلات، وعارضت السلطات الفرنسية التأميم معارضة كلية، وأرادت أن تمنح استثمار السكك الحديدية للشركة الوطنية الفرنسية، والغرض من هذه العملية إلحاق سككها بالسكك الفرنسية، وهي شركة تابعة للدولة الفرنسية؛ إذ إن تأميم وسائل النقل تم بفرنسا منذ أعوام، واتسع نطاق الخلاف واعتبرت فرنسا أن العرض التونسي في حل هذه المشكلة يرمي إلى إنقاص النفوذ الفرنسي في الميدان الاقتصادي، وبداية تقلص ظله واتجاه جديد لتحرير تونس، ولم يتفق الطرفان على حل من الحلول، وبقيت المسألة معلقة عدة أعوام .
وبلغ التوتر أشده في المفاوضات حول المجلس الكبير والبلديات، فقد تمسكت السلطات الفرنسية بوجوب استمرار المجلس الكبير في عمله والنظر في الميزانية التونسية، وقررت الوزارة التونسية عدم تجديد انتخابه بعد انتهاء مدته؛ لأنه مجلس استشاري بحت لا نفوذ له، وخاصة لأنه مؤلف مناصفة من تونسيين وفرنسيين، ولا حق للفرنسيين أن يكونوا ممثلين في المجالس السياسية التونسية؛ لأنهم أجانب.
وسعت الوزارة التونسية في تأسيس مجالس بلدية منتخبة؛ لكي يمارس السكان حقوقهم الطبيعية فيها ويسهرون على صرف ما يدفعون من ضرائب بلدية ويتمرنون أيضا على ممارسة الأمور العامة، ولكن الفرنسيين تمسكوا هنا أيضا بوجوب تمثيل الفرنسيين فيها.
وكان جلالة الملك يراقب عن كثب سير المفاوضات وتعثرها ويفكر في الوصول إلى نتيجة عملية فرأى من الضروري دفع كل التباس يستفيد منه الاستعمار؛ بالتعبير عن إرادته الواضحة في منح شعبه نظما ديمقراطية ليمكنه من حكم نفسه بنفسه، فأعد تصريحا بمناسبة الذكرى الثامنة لجلوسه على العرش 15 / 5 / 1951 وعهد لوزير الشئون الاجتماعية معالي محمد بدرة بإلقائه في الحفل الرسمي؛ ولما لذلك الخطاب من أهمية نورد نصه الكامل:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيه الكريم
نحمد الله على ما من به علينا من مشاهدة هذا العيد الأغر المحيي للذكرى الثامنة لجلوسنا على عرش آبائنا الميامين، ونشكر له نعمته لما أفاضه علينا من ولاء شعبنا الوفي وتعلق أبنائنا المخلصين، ونتجه إليه تعالى بالإجلال والإكبار على جمع كلمة الأمة التونسية واعتصامها بعزتها القومية وبعث روح التماسك والتعاون بين أفرادها، مما يبشر بإشعاع نور اليقظة وبلوغ الأماني.
أبناءنا الأعزاء:
إننا نتتبع بمزيد العناية تقلب الأحوال العامة، خيرها وشرها، ونسعى جهدنا للنهوض بأمتنا إلى المرتبة التي تتطلع إليها بحكم ماضيها، وتستحقها بموجب رقيها الحاضر، ولقد أثلج فؤادنا عملها المتواصل الحلقات في شتى الميادين وما تبذله في سبيل إصلاح المجتمع وإنعاش الاقتصاد وتثقيف النشء وتنظيم الجماعات، فإنا واثقون بأنها تبرهن على نضج شعبنا واستكمال وعيه القومي ومدى تطوره، وعن استعداده للقيام بجميع المسئوليات التي لغيره من الشعوب الحرة، ومما يترتب عن هاته المسئوليات من واجبات وحقوق.
وإن الظروف العصبية التي يجتازها العالم، والنزعات التي يتخبط فيها، والاتجاهات المتعاكسة التي تكتسح قواه قد جعلتنا نشعر بشدة وطأتها عندما تنعكس على مملكتنا العزيزة، ولقد أثبت الماضي القريب أن الدول المولى عليها هي - كسواها من الدولة الحرة - لا تستطيع البقاء على عزلتها كما كان فيما مضى حتى ولو شاءت ذلك، ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الشعب الذي ساهم بكل ما في طاقته للقضاء على عوامل الطغيان وأبلى بلاء حسنا في الدفاع عن الحرية البشرية ومناصرة العدل، صار من حقه أن يستنشق نسيم الحرية، وأن يرتوي من مناهل العدل، وأن يتمتع بحقوقه الفردية والجماعية، وأن يعيش في اطمئنان، موفور الكرامة، في كنف السيادة القومية الكاملة، ليصبح كل فرد منه مؤمنا في قرارة نفسه بأن له ما لغيره من مواطني الأمم الديمقراطية التي شاركت في إنقاذ البشرية من الاستعباد، وعليه ما عليهم.