وبعد مناقشات طويلة مملة دامت أشهرا حول المستشارين الفرنسيين في الوزارات التونسية لم يرض المقيم العام بإلغاء مناصبهم، بل أبقاهم فيها واكتفى بنقلهم من عمارات الوزارات إلى الكتابة العامة ليعينوا الكاتب العام في مراقبة أعمال الوزراء التونسيين، فما راعنا إلا والمقيم العام يلقي الخطب المسهبة الطويلة ويكرر التصريحات سواء في تونس أو في باريس بأنه أعطى ترضية كبرى للتونسيين وقام بتحوير كبير في منظمات الدولة التونسية، وخطا خطوة كبرى نحو الغاية المنشودة، وحقق لتونس المرحلة الأولى في استقلالها الداخلي، وذلك كله لمجرد نقل بعض الموظفين الفرنسيين من عمارة إلى أخرى وقال أخيرا: «الآن وقد تم هذا الإصلاح الجوهري الكبير ينبغي أن تستريح السياسة حتى يتم هضم هذا الإصلاح» فكأن المفاوضات ابتدأت بالاستراحة من السياسة، وكان دور المقيم الفرنسي قد تم معظمه وأن واجب الشعب التونسي يقضي عليه بأن يهضم الفراغ والعدم وأن يبقى على جوعه وعطشه.
فتلبد الجو بسرعة فائقة، وتوترت العلاقات، وكادت تقطع المفاوضات، فلم ير المقيم بدا من استئنافها، وبقيت تتعثر إلى أن تم الاتفاق على بعض الإصلاحات التي صدرت بتاريخ 8 / 2 / 1951 فلم يتقبلها الرأي العام بارتياح. تمخض الجبل فولد فأرا؛ فهي لم تغير الوضع ولم تنقل شيئا من النفوذ إلى أيدي التونسيين، لقد أصبح الوزير الأول التونسي رئيسا لمجلس الوزراء بعد أن كان يرأسه المقيم العام الفرنسي بنفسه، أما مراقبة قرارات الوزراء التونسيين فإنها انتقلت من الكاتب العام الفرنسي إلى المقيم العام الفرنسي، وقد اعتبرت الوزارة التونسية نفسها تلك الإصلاحات مجرد اتجاه جديد في السياسة الفرنسية. أما مجلس الوزراء نفسه فإنه بقي مركبا من فرنسيين وتونسيين، وقد علق عليها الوزير الأول دولة محمد شنيق في بيان أصدره للصحافة يوم 8 / 2 / 1951 جاء فيه: «أما بقاء عدد من الأعضاء الفرنسيين مساو لعدد الأعضاء التونسيين في مجلس الوزراء بصورة مؤقتة فإنه لا يعني أبدا الرضا بالسيادة المزدوجة التي لا تجيزها المعاهدات ولا يبيحها الدستور الفرنسي نفسه.
ولا تقتصر فوائد الإصلاحات الجديدة على ما ذكرناه؛ فإن الاتجاه الجديد التي وجهت فيه العلاقات بين تونس وفرنسا والمبادئ التي أثبتتها هي التي تجعل الإصلاحات الجديدة - وليس محتواها الهزيل - تمهد الطريق لمراحل أخرى ستوصلنا حتما وبصورة تدريجية إلى الاستقلال الداخلي في نطاق السيادة التونسية.
لذلك فإنه يجب عند تطبيق الإصلاحات احترام الروح التي أملتها، وذلك بالتزام الدقة والإخلاص في تنفيذ النصوص الجديدة التي روعي في تحريرها الوضوح التام الذي لا يترك أي مجال للتأويلات الخاطئة.»
ولكن المقيم العام أسرع إلى خرق ذلك الاتفاق الجديد، ولم يراع الروح الجديدة وخالف تلك النصوص الواضحة الجلية، فكون بالإقامة العامة نفسها إدارة استعمارية كاملة تشرف على جميع الوزارات والإدارات التونسية وتسيطر عليها؛ بدعوى أن النصوص الجديدة أعطت الحق للمقيم في الإدلاء بتوصياته على كل قرار وزاري. وإذا بتونس تخطو خطوة إلى الوراء؛ لأن مراقبة الوزراء كانت من طرف إدارة تونسية وهي الكتابة العامة، فأصبحت الوزارات والإدارات التونسية تحت إشراف ممثل فرنسا مباشرة، وقد قام المقيم العام بعمله من غير أن يستشير الوزارة التونسية، بل من غير إعلامها أصلا، ووضعها أمام الأمر الواقع، وتمادى في تطبيق برنامجه رغم احتجاجها.
فأتت إصلاحات 8 / 2 / 1951 بنتيجة معكوسة، وتوقفت أثرها المفاوضات، وكانت حركة العمال تمتد وتنتظم في تلك الأثناء، وأصبح الاتحاد العام التونسي للشغل من أكبر العوامل في السياسة التونسية، ودخل إلى البوادي بعد تنظيم صفوفه في المدن، وازدادت عداوة المستعمرين له، وسعوا في وقف تياره المرة تلو المرة من غير جدوى.