وقد رأينا تلك السلطات الاستعمارية تحارب المزارعين التونسيين حربا لا هوادة فيها، فتثقل كواهلهم بالجبايات المجحفة، وتسلط عليهم أعوانها ليسلبوا منهم أموالهم بالارتشاء، وتوقف أعمالهم لأقل قضية تلعق بهم، وتطلق في غالب الأحيان يد المرابين والبنوك العقارية الفرنسية لبيع أملاكهم وما يكسبون، وتشكك في حقهم في ملكية أرضهم والتمتع باستثمارها ، وتحرم على التونسيين شراء أرض تونس إذا ما كانت في ملك الفرنسيين والإيطاليين أو غيرهم من الأوروبيين، فإن نهضت الفلاحة التونسية وبدلت طرقها العتيقة وعوضتها بالطرق العصرية في كثير من الجهات، وازدهرت، فتلك معجزة أتى بها الفلاح التونسي رغم عرقلة الاستعمار له في كل خطوة يخطوها.
ثم قال التونسيون: إنه لا نهضة تمكن، ولا تقدم يحصل، ولا استقلال يتم إلا بالتربية والتعليم، ولكن الاستعمار بالمرصاد، يعد علينا أنفاسنا، ويسعى لإفساد مشاريعنا؛ ولذا رأيناه يسعى لتعطيل الإصلاح بجامع الزيتونة حتى أصبح التيار جارفا، فلم يقدر على وقفه. أما المدارس الحرة التي نسميها بتونس المدارس القرآنية، فإن إدارة العلوم والمعارف الاستعمارية أخذت تضايقها بالقوانين والأنظمة، حتى منعت التونسيين أخيرا من إنشاء مدارس جديدة أو زيادة فصول في المدارس القديمة إلا بعد موافقتها، ومعنى ذلك أن حركة إنشاء المدارس أو توسيعها قد كاد يتوقف تماما. وقد شوهت برامج التعليم إلى درجة أنها مسخت مسخا؛ لا هي عربية صريحة ولا هي فرنسية صرفة، بل هي مزيج بلا روح، وخلط يفسد عقول الناشئة.
وبعد التجارب المرة والخيبات المتوالية، تبين شعب تونس أن القضية الوطنية وحدة لا تتجزأ، وأن الإصلاح في أي ميدان من الميادين مستحيل ما دام نظام الحماية الاستعماري قائم الذات، وأصبحت المشكلة السياسية هي أم المشاكل لا يمكن أن يحل غيرها إلا بحلها.
وهكذا كان أول مبدأ أقيمت عليه الحركة الوطنية، هو مبدأ الاستقلال، ويتمثل الاستقلال أولا وبالذات في إلغاء معاهدة الحماية التي مكنت الأجنبي من السيطرة على البلاد وبررت احتلاله لها، واستثماره لخيراتها. وتوجهت الجهود كلها إلى إزالة الحكم الفرنسي المباشر، وتوحدت الصفوف وتكتلت القوى لتلك الغاية المقدسة، فما دام الحكم الأجنبي مسلطا على المملكة التونسية يستحيل عليها أن تخطو خطوة حقيقية نحو الرقي والمدنية والازدهار المادي والأدبي، وإذا ما خطت خطوة إلى الأمام في ميدان فإنها تتقهقر خطوات إلى الوراء في الميادين الأخرى، فالحكم الأجنبي هو السبب الرئيسي في بطء نهضتنا، وهو السد المنيع بيننا وبين النهضة الشاملة التي تمكننا من الالتحاق بقافلة الأمم المتمدينة، كما قال الكاتب الفرنسي المعروف «دانيال جيران»: «يمكن لتونس أن تصبح - كالأقطار الاسكندنافية - جنة صغيرة على وجه الأرض لولا الاستعمار الفرنسي.»
ولما قامت حجة التونسيين حسب القانون والشرع، وحسب العدالة والحق، وحسب العواطف والرحمة والإنسانية، التجأ أصحاب النظريات الاستعمارية إلى ضروب من السفسطاء لا تروج على العقول، وأنواع من الادعاءات تخالف الواقع المحسوس، نأتي ببعضها كنماذج من تلاعب القوم ومهارتهم في قلب الحقائق. يقولون إن فرنسا لا ترى مانعا من إعطاء تونس استقلالها، ولكن سرعان ما تحتل دولة كبيرة أخرى مكانها، فتصبح تونس المسكينة مستعمرة لها؛ ولذا يجب المحافظة على معاهدة الحماية واحتلال الجيوش الفرنسية لتونس. وهذا منطق غني عن أي تعليق معناه: يجب أن آكل هذه الفريسة لكيلا يأكلها غيري، ومن أدراك أن غيرك يريد أكلها؟ ومن أنبأك بأنها لن تحافظ على استقلالها كغيرها من الشعوب الصغيرة في العالم؟
ثم يقولون إن فرنسا مستعدة للتنازل للتونسيين عن حق إدارة بلادهم بأنفسهم، ولكن بشرط واحد: وهو أن يصبحوا قادرين على تسيير شئونها والتحكم في مصيرها، ثم إن الفرنسيين أنفسهم يجتهدون في عدم تمكين التونسيين من الثقافة اللازمة لذلك، ويقصونهم إقصاء كليا عن مراكز النفوذ ومناصب السلطة ووظائف التدريب والتمرين على الحكم، حتى يبقوهم دائما أبدا عاجزين عن تسيير إدارة بلادهم بأنفسهم. ولو كان الفرنسيون مخلصين صادقين في ادعائهم، لكانت مدة احتلالهم لتونس (سبعين سنة) كافية لذلك التكوين المطلوب.