كنا نقرأ في تاريخ فرنسا أن تحت قصورها وأبراجها وحصونها القديمة دهاليز وسراديب محفورة في الأرض، يضعون فيها المغضوب عليهم، ويسمونها المنسيات، وكنا نعتقد أنه لم يبق منها في القرن العشرين إلا آثار يزورها السواح ويتفرجون عليها، إلى أن نقلتنا السلطات العسكرية الفرنسية في بارجة حربية من السجن العسكري بتبرسق إلى حصن «سان نيقولا» بمدينة مارسيليا، الذي اختير كمعتقل لنا، فوصلناه برفقة زعيمنا الأستاذ الحبيب بورقيبة، وأيدينا في الأغلال والسلاسل، وكانت فرنسا على وشك الانهيار، تحت ضربات الجيش الألماني، وقد سقطت باريس في أيديهم (14 يونيو 1940) فأمرنا الحراس والجندرمة بنزع ثيابنا تماما ثم انهالوا علينا ضربا، ثم ساقونا في دهاليز تقطر ماء لفرط الرطوبة بها، وأغلقوا علينا الأبواب، وبقينا في ظلام دامس. ولما استيقظنا لم نر إلا ضوءا ضئيلا يأتينا من فوهة في السقف، وإذا بها كالبئر علوا؛ أكثر من عشرة أمتار عمقا، ووجدنا أنفسنا في منسية من تلك المنسيات العتيقة، وقد عشنا فيها ستة أشهر كاملة حتى صار الواحد منا إذا ما خرج إلى ضوء الشمس، ورأى الحركة والحياة حوله بقي مبهورا مبهوتا، وقل الأكل شيئا فشيئا وهزلت الأجسام حتى أصبحنا هياكل من عظام. ولما وزن الأستاذ الحبيب بورقيبة نفسه، رأى أن وزنه لا يفوق الخمسة والثلاثين كيلوجراما.
وما تلك إلا نماذج مما عاناه الوطنيون التونسيون، والأعجب أن العذاب لم يزدهم إلا عزما في وجوب التخلص من الاستعمار الفرنسي الفظيع. (1-5) المنصف باي
وأثناء ذلك الاضطهاد القاسي، اعتلى عرش تونس (4 أغسطس 1942) الملك الصالح والوطني المتحمس محمد المنصف باي الذي أدى يمين الخدمة الوطنية واشترك في الحزب الدستوري منذ حياة أبيه، عام 1922، واتصل بالشعب الذي أقام له الحفلات والاجتماعات، والتف حوله وعلق عليه الآمال، فأهدى لشعبه ما يملك من مال ومتاع وسار سيرة العدل والإنصاف حتى لقب بعمر الثاني، وبقدر ما كان رحيما بالشعب بقدر ما كان صلبا شديدا مع أصحاب النفوذ من وزراء ومتصرفين ومديرين، حتى انقطع الظلم وزالت الرشوة وساد الأمن والطمأنينة.
ونزلت جيوش المحور بتونس في شهر نوفمبر 1942، فأصبحت ميدانا للحرب، واكتسحها الخراب والدمار، ولكن الشعب تآزر وتساند، ولم يكترث بالقنابل والموت؛ إذ حصل على ضرب من الحرية لم يعهده منذ انتصاب الحماية الفرنسية.
وقام الوطنيون المسجونون بثورة داخل السجن تحت قيادة الدكتور ثامر ، وسقط منهم عدد من الشهداء والجرحى، ولم يتمكنوا من الحرية، بل أطلق سراحهم بعد حين بتدخل صاحب الجلالة الملك الصالح المنصف باي.
وسرعان ما كون الدكتور ثامر ورفاقه من جديد تشكيلات الحزب وعقد مئات الاجتماعات، فالتف الشعب حوله وانتظمت فيه صفوفه، وكانت عناية الحزب موجهة خاصة إلى الشباب، فأسس له المعسكرات في جميع أنحاء المملكة للتدريب ومدرسة لإخراج المسئولين والقادة، ودروسا ليلية وتمارين أقبل عليها الشباب الوطني إقبالا عظيما.
وقدم الملك عريضة لحكومة فيشي الفرنسية مطالبا فيها بحقوق شعبه، ثم كون وزارة انتقالية برئاسة دولة محمد شنيق استعدادا لاستقلال بلاده وإرجاع السيادة التونسية إلى ما كانت عليه قبل الحماية الفرنسية.
وقد التزم جلالة الملك محمد المنصف ووزارته الحياد التام في الحرب، وكان موقف زعماء الحركة الوطنية مماثلا له، فرغم الضغط الذي ضغطته على الأستاذ الحبيب بورقيبة ورفاقه الحكومة الإيطالية الفاشية بروما بعد أن أخرجهم الجيش الألماني بالقوة من سجون فرنسا، لم يقفوا بجانب المحور بل قاموا بدعاية قوية لحمل الشعب كله على الحياد بمجرد رجوعهم إلى تونس.
ولكن الفرنسيين الذين رجعوا صحبة حلفائهم المنتصرين ودخلوا تونس يوم 8 مايو 1943 سعوا في التعمية وقلب الحقائق، وأذاعوا أن المنصف باي والحكومة القومية كانوا جميعا في جانب المحور، فنصبوا لهم العداء وشرعوا في الانتقام منهم انتقاما قاسيا، فخلعوا الملك ونفوه إلى صحراء الجزائر، ثم منها إلى تنس على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وأخيرا إلى مدينة بو بفرنسا حيث مات منفيا عن عرشه وبلاده، ضحية الظلم السافر.