ودخل تونس في أبريل 1936، فبادر بإطلاق سراح القادة المعتقلين وأطلق الحريات العامة.
فاستأنف الحزب نشاطه باندفاعه المعهود، وجدد فروعه في أكثر المدن والقرى، وأصدر صحفه وخاصة جريدة «العمل» وبث دعاته في كل جهة، وساعد على تجديد الحركة العمالية وإحياء النقابات التونسية، وتعددت حوله جمعيات الكشافة والشباب.
وقام زعيم تونس «الحبيب بورقيبة» بسفرتين إلى باريس (1936 و1937) لنشر الدعوة لفائدة بلاده وإقناع الدوائر الفرنسية الرسمية بإرضاء رغبات الشعب. وكان الطلب الرئيسي في الرغبات المستعجلة منح تونس برلمانا وحكومة مسئولة أمامه. وكان لعمل «الحبيب بورقيبة» نتيجة؛ إذ حصل على بعض الوعود التي لم تنجز، ولكنه أقنع الوزير «فيانو» بنظريته، فرأى «فيانو» من المحتوم عليه أن يزور تونس، وألقى خطابا في مذياعها اعترف فيه «بأن الشكوك تحوم حول الإدارة الفرنسية بهذه البلاد»، وأعلن عن وجوب «إصلاح الإدارة التونسية وإشراك التونسيين في إدارة شئون بلادهم»، وإذا بالحكومة الفرنسية تقصي الوزير «فيانو» عن منصبه تحت تأثير العناصر الاستعمارية وحملة الجالية الفرنسية بتونس.
وغيرت فرنسا سياستها منذ ذلك الحين من غير مبرر، وأصدر المقيم العام أوامره بتعطيل الحريات وخاصة حرية الاجتماعات، فعقد الحزب مؤتمره السنوي (نوفمبر 1937) الذي قرر متابعة الكفاح وافتكاك الحريات؛ إذ الحرية لا توهب وإنما تؤخذ ، ورد العدوان بالعدوان والعنف بالعنف، ووضع خطة للمقاومة.
وحلت بالمغرب كله موجة شديدة من الاضطهاد الاستعماري وبدأت بمراكش ثم الجزائر، فأعلن الحزب تضامن تونس مع شقيقتها وقرر أن يقوم شعب تونس بإضراب عام (نوفمبر 1937)؛ احتجاجا على سياسة فرنسا التعسفية.
ثم إنه تمادى في نشاطه العادي واجتماعاته الشعبية الكبرى رغم تحجيرها تنفيذا لقرار المؤتمر؛ إذ الاتصال بالشعب ضروري حيوي بالنسبة للحركة الوطنية، وما منع الاجتماعات إلا فصل قاطع بين القادة وبين الشعب، وإخماد للروح القومية، وقتل محتوم للحزب.
ووقع أول اصطدام عنيف بين القوات الوطنية والقوات الفرنسية المسلحة بمدينة بنزرت (يناير 1938) استشهد فيها عدد وافر وجرح عشرات.
فاجتمع المجلس الملي للحزب في شهر مارس 1938، وقرر بالإجماع عدم الرضوخ للقوانين الظالمة والأوامر الاستعمارية الاستثنائية، وقد وصلت الوقاحة والصلف بالسلطات الفرنسية إلى تحريم رفع العلم التونسي أو اتخاذه شارة. وتفرق قادة الحزب في مختلف جهات المملكة ليقودوا الشعب في كفاحه، وليعلموه التمرد على القوانين الاستعمارية. وكانت واقعة وادي مليز (4 أبريل 1938) عنيفة دامية، ورد الوطنيون هجوم القوات الفرنسية، واشتبكوا معهم في معركة دامت أكثر من نصف يوم، وسقط الشهداء عشرات والجرحى مئات، وانتشرت الاضطرابات والاصطدامات إلى جهة الكاف.
وكان يوم 8 أبريل يوما مشهودا، أضربت فيه المملكة التونسية عن العمل تنفيذا لقرار الديوان السياسي، فتعطلت المصالح العامة، وتوقفت المواصلات، وأغلقت الأسواق والدكاكين، وشلت حركة المواني، ونزل الشعب إلى الشوارع في مظاهرات منظمة رهيبة، وبلغ عدد المتظاهرين والمتظاهرات في مدن القطر وقراه أكثر من مليون نسمة حسب الإحصاءات الفرنسية نفسها، وهو عدد ضخم بالنسبة لبلاد لا يزيد سكانها على الثلاثة ملايين ونصف، ورغم كثرة الناس لم يقع ولا حادث، بل كانت السكينة والنظام يسودان الجماهير.
وإنه لنجاح باهر أحرزه الحزب الدستوري الجديد، فحقق هدفه الرئيسي الأول وهو إيقاظ الضمير القومي، وبث الشعور الوطني في جميع الطبقات، وتوحيد صفوفها لمكافحة الاستعمار، وقد تنبأ أحد أقطاب الاستعمار من دعاة النظرية الاستعمارية القائلة بوجوب فرنسة المغرب وتونس خاصة، تنبأ باستفحال الحركة الوطنية، ودعا لاستئصالها قبل أن تفوز، قال في مقدمة كتاب سماه «على أثر رد بالك» نشره سنة 1926: