تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الغد ظهر «بونص» الكاتب العام للحكومة التونسية على مسرح السياسة التونسية ليلعب دوره في المهزلة الاستعمارية، وقد امتاز بعداوته وبغضه وحقده للتونسيين، كما امتاز بقصر النظر والتلاعب المكشوف واستخدام أرذل الوسائل في محاربة الحركة الوطنية، حتى قال فيه الكاتب الفرنسي «جيران»: «إن له ما له في تكوين عصابة اليد الحمراء الإجرامية وقتل الزعيم فرحات حشاد.» فصرح يوم 29 مارس أن الوزارة الجديدة ستشكل بسهولة تامة وأن التونسيين يتزاحمون على مناصبها، ولما عرض البكوش على عدد وافر من التونسيين تلك المناصب رفضوا جميعا، وبقي وحده يحاول ويفشل، وهو مطارد من الوطنيين حتى صار لا يدخل إلى قصر الملك أو إلى الإقامة العامة إلا من الأبواب الخلفية كالسارق الخائف والمجرم الجبان، فحاول إذ ذاك أن يحتمي بالحزب الحر الدستوري بإدخال الزعيم الهادي نويرة - وهو العضو الوحيد من الديوان السياسي الذي بقي خارج السجن - في تشكيلته. وتكرر العرض ثلاث مرات، وأخيرا دعا البكوش الزعيم نويرة يوم الأحد 30 مارس على الساعة الرابعة بعد الظهر، فاستطاع الزعيم نويرة أن يحمل البكوش على الاستقالة، وقد تمت المقابلة واتفق فيها على نشر البلاغ الآتي:

نظرا للصعوبات التي وجدتها في تشكيل الوزارة أرى من واجبي أن أقدم لجلالة الملك استقالتي من المنصب الذي كلفت به.

لم ينشر ذلك البلاغ - بطبيعة الحال - ولكن ألقي القبض على الهادي نويرة يوم الاثنين 31 مارس، لقد خيروه بين الوزارة والسجن فاختار السجن.

ولم تجد السلطات الفرنسية من بين التونسيين من يرضى أن يخون وطنه، فلجأت إلى اختيار بعض صنائعها الذين ملأت بهم الإدارات التونسية، وميزتهم الجهل والأمية وطاعة الفرنسيين طاعة عمياء، ولكن شيئا من ذلك لم ينفع؛ لأن الملك كان يؤخر يوما بعد يوم تنصيب الوزارة الجديدة انتظارا لقرار مجلس الأمن في قضية تونس.

وتعددت المظاهرات الشعبية ضد الوزراء الخونة وتكررت وتنوعت، فتارة تهاجم بيوتهم، وطورا تهاجمهم في مقر وزاراتهم رغم قوات البوليس الكبيرة التي كانت تحرسها من كل جهة حتى من السطوح، وأصبح المقيم العام يتخبط ولم يجد مخرجا، خاصة وأن الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات القومية كلها قررت القيام بإضراب عام يوم غرة أبريل. وقد كان الإضراب تاما شاملا، وشارك فيه الموظفون رغم تهديدات السلطات الفرنسية ووعيد الجنرال غارباي، فاختار المقيم العام ذلك اليوم نفسه لنشر ما سماه بمشروع إصلاحات، فرفضها الشعب لما فيها من اعتداءات جديدة على السيادة التونسية، وهي في حقيقتها خطوة في إلحاق تونس بفرنسا بإعطاء الجالية الفرنسية حقوقا قارة في مؤسسات الدولة التونسية.

ومرت الأيام والوزارة لم تشكل؛ لأن بكوش أطاع كعادته أسياده الفرنسيين، فسعى في تشكيل الوزارة وتكوين اللجنة المختلطة في آن واحد، وجمع يوم 7 أبريل عددا وافرا من الشخصيات التونسية وعرض عليهم عضوية تلك اللجنة، فخابت آماله وآمال أسياده؛ لأن التونسيين رفضوا بالإجماع المشاركة فيها، وفضحت الإقامة العامة مناوراتها بنفسها؛ إذ صرحت الجريدة شبه الرسمية «لابريس» يوم 8 أبريل «يعتمد بكوش على اللجنة المختلطة ليقوي وزارته.» ولما رأى البكوش فشله الذريع سعى في إتمام تشكيل وزارته، ولكن لم يتم ذلك له إلا بعد بحث مجلس الأمن لمشكلة تونس 15 / 4 / 1952.

وأعاد البكوش يوم 12 أبريل ما كان قد قاله من قبل من أن دور وزارته الأصلي هو القيام بأعمال الإدارة لا غير، ومعنى ذلك زيادة وطأة الحكم الفرنسي المباشر، وازدادت الحالة تعكرا؛ لأن بونص الكاتب العام الفرنسي للحكومة التونسية، أخذ يتحكم في نشاط الوزراء التونسيين تحكما لا يطاق، فأملى عليهم نظام دواوينهم (منشور 24 أبريل المتعلق بنظام تلك الدواوين) وحرم عليهم الاتصال بالصحافة ونشر التصريحات من تلقاء أنفسهم وإصدار البلاغات (منشور 30 أبريل).

تونس الثائرة · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٤٢