تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولإدارة الاستعمار الحق في اختيار أراضي الأوقاف التي تقرر الاستيلاء عليها، وهي ترسل خبيرا زراعيا يباشر وحده تقويم الأرض، ويكون رأيه فاصلا في تقدير القيمة، وفي جميع شروط نقل الملكية، دون أي ضمان لمصلحة الوقف.

وهكذا لم تحترم فرنسا الشريعة الإسلامية الغراء التي قضت بأن الوقف ملك لا ينقطع، وأنه لا يباع، ولا يرهن، ولا يوهب، ولا يعوض.

ولم تحترم فرنسا إرادة الوقف، فأعلنت أن المؤسسات الخيرية، كالمساجد والمستشفيات ودور العلم، لا يجب أن توقف من أجلها الأراضي، والأجدر أن تعوض هذه بالمباني والفنادق أو حتى بالمال، وقررت أن هذا التعويض مباح بل مرغوب فيه.

وهكذا استولت إدارة الاستعمار على أوقاف المسلمين واغتصبت أخصب الأراضي الموقوفة لجهات البر والتعليم، كل هذا مقابل بعض الدور المهدمة والمباني البالية، الآيلة للسقوط، التي لا يفي دخلها الضئيل بنفقات إصلاحها، أما إذا عوضت أراضي الأوقاف ببناية صالحة للاستغلال؛ فإن هذه البناية تؤجر للإدارة مقابل إيجار صوري فرنك واحد في السنة.

وهكذا توالت اعتداءات فرنسا على الإسلام في بلاد المسلمين، وهدمت النظم القائمة على أساس الشريعة الإسلامية الغراء، بغير مبالاة بما تحميه من مصالح عامة وما تصرف عليه من بيوت الله ودور العلم، وعادت إدارة الأوقاف من الفقر بحيث أصبحت عاجزة عن القيام بشئون المؤسسات العلمية والخيرية، فتهدمت المدارس والمساجد، وأصبح الكثير منها في حالة يرثى لها.

وبعد أن تم لها الأمر واستولت على كل أراضي الأوقاف الصالحة للزراعة، أصدرت بتاريخ 20 يناير سنة 1942 أمرا بإلغاء تشريع سنة 1798، وظنت أنها بذلك تخلصت من آثار الجريمة التي ارتكبتها بالاعتداء على عقيدة البلاد وشريعتها، وسلب أموال المسلمين، والقضاء على دور العلم والمساجد والمستشفيات.

والنتيجة لهذا العمل الذي وقفت عليه إدارة الحماية جهودها منذ أكثر من ستين سنة، هو أن أصبحت جميع الأراضي التابعة لأملاك الدولة، وما ألحق بها من أراضي الغابات، والأراضي الكلية، وأراضي الأوقاف، تحت تصرف «إدارة الفلاحة والاستعمار» التي أسست سنة 1898 لتنظيم توزيع الأراضي على «المعمرين» الفرنسيين.

ويقع التوزيع بطريق البيع الصوري بثمن زهيد يدفع أقساطا لمدة عشر سنوات، ولتسهيل اقتناء المعمرين للأراضي صدر أمر بتاريخ 1 ديسمبر سنة 1892 أعقبه أمر ثان بتاريخ 25 سبتمبر سنة 1900، يتضمن تأسيس «صندوق الاستعمار»، وقد قدمت السلطة الفرنسية لهذا الصندوق من ميزانية تونس مليون فرنك ونصفا عند تأسيسه، ثم قدمت له سنة 1904 ثمان مائة ألف فرنك، وفي سنة 1905 سبعمائة ألف فرنك، وفي سنة 1907 خمسة ملايين اعتمدتها من قرض عقدته الدولة التونسية من فرنسا، وهكذا دأبت السلطة الفرنسية كل سنة على تخصيص اعتماد كبير لصندوق الاستعمار من الميزانية التونسية نفسها، وصارت تضيف إلى هذا الصندوق المال المتحصل من بيع أملاك الدولة للمعمرين، وتستعمل كل هذه الأموال لشراء أراض أخرى توزع على المعمرين وهكذا.

ولم تكتف السلطة الفرنسية بتأسيس هذا الصندوق لتسهيل اقتناء المعمرين للأراضي، بل وضعت تحت تصرفهم أموالا طائلة لاستثمارها، وأسست لهم خاصة بنوكا عديدة للاقتراض منها بدون «فوائد»، إلى غير ذلك من أنواع المساعدات التي تقدمها لهم تشجيعا على استقرارهم بتونس، حتى يصبحوا هم الأغلبية الساحقة في يوم من الأيام. (9) نتائج ومقارنات

وفي أول عهد الحماية ترك امتلاك الأراضي التونسية لمساعي الفرنسيين الفردية، ثم شرعت الإدارة الفرنسية في تنظيم الخطط وتقرير البرامج الواسعة لإقرار الفرنسيين بالأراضي التونسية، فكانت تضع تحت تصرف «إدارة الفلاحة والاستعمار» ما تنتزعه من الأراضي الزراعية من أيدي العرب لتوزعها على الفرنسيين مقابل أثمان صورية مقسطة على آجال، فمن سنة 1900 إلى 1914 سلمت هذه الإدارة من أراضي الشمال مساحات شاسعة بلغت 125 ألف هكتار، بينما منحتهم في منطقتي الوسط والجنوب مساحات قدرها 132 ألف هكتار، وقد ورد في الإحصاءات الرسمية أن مجموع الأراضي التي استولى عليها الفرنسيون حتى سنة 1914 يبلغ 757 ألف هكتار، من أخصب الأراضي التونسية.

تونس الثائرة · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٣