تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت المظاهرة التي قامت بها النسوة التونسيات يوم 15 فبراير من أروع مظاهر الوطنية، وفي الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر أحاط المتظاهرون - ومعظمهم من النسوة - بالإقامة العامة، وقد خرج كل فريق منهم من الشوارع المحيطة بها: شارع فرنسا، وشارع الجزائر، وشارع هولاندا، وكانت المتظاهرات يقمن بحركاتهن بسرعة خاطفة، وعند وصولهن كان المفوض بالإقامة العامة نازلا من سيارته ليدخل إلى عمارة الإقامة، وفي تلك اللحظة بالذات رمت امرأة قنبلة يدوية، وفي الحين - نظرا لقرب مراكز البوليس والجيش - أتى أعوان البوليس في سيارة، فرميت عليهم قنبلة ثانية، فانفجرت السيارة وجرح عونان جروحا خطيرة، واثنان آخران جروحا خفيفة، ورميت قنبلة ثانية على الإقامة من شارع هولندا، فحطمت شبابيك مكتب رئيس الديوان العسكري للمقيم العام.

ولا تسل عن الخوف الذي استولى على جميع الفرنسيين الذين كانوا في الحي الأوروبي، فكنت تراهم بين هارب يجري وصارخ يصيح، وأوصدت السينمات أبوابها وأغلقت الدكاكين ونزل الرعب في قلوب الفرنسيين، حتى إن جماعة منهم كانوا وراء جنازة داخلين إلى الكنيسة الكبرى أمام الإقامة العامة، ففروا تاركين جنازتهم.

واستشهدت إحدى الوطنيات ، وجرحت أخرى جروحا خطيرة، وكانت لا تخفي ابتهاجها بنجاح المظاهرة. وقد استخدم الجند أسلحة سريعة الطلقات، فجرحوا عددا وافرا من التونسيين، وأكثرها جروح خفيفة.

وبقيت مدينة تونس هائجة مائجة مضطربة مدة أشهر، وإذا اعتراها سكوت فهو سكون البراكين التي تنذر بالانفجار في كل وقت؛ فقد اجتمعت جماهير غفيرة من الشعب بعد ظهر يوم السبت 18 مارس بمسجد السبحة، وتناول الكلمة كثير من الشبان شارحين أعمال القمع والاعتقالات التي تفاقم أمرها بكامل البلاد التونسية، واحتجوا على ما قام به الفرنسيون من محاولة نسف بيت صاحب الدولة محمد شنيق رئيس الحكومة التونسية، وخرجت الجموع من المسجد في مظاهرة رهيبة، وسارت إلى أن بلغت ميدان شارع الجزيرة، وهناك التقت بقوات البوليس والجيش التي عمدت إلى تشتيتها وإلقاء القبض على بعض المتظاهرين.

وتعددت يوم 19 مارس المظاهرات، وخاصة بحي الحلفاوين والشوارع المجاورة له، فخرجت مظاهرة بعد أن نظمت صفوفها من ذلك الميدان، واخترقت شارع سوقي بالخير حتى بلغت باب الخضراء، وفي مفترق الطرق هاجمتهم القوات المسلحة، وكان عدد النساء كبيرا في تلك المظاهرة.

وتحركت مظاهرة أخرى في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر من الميدان نفسه، وجابت شارع الحلفاوين، وحين إشرافها على ميدان باب سويقة اعترضتها قوات البوليس.

وانتظمت مظاهرة ثالثة بالسوق الجديد من حي الحلفاوين، وسارت حتى بلغت شارع مدريد ثم افترقت.

وخرجت مظاهرة رابعة في الساعة الخامسة والنصف، وكانت أكثر عددا وأقوى نظاما، تسير في مقدمتها النساء والوطنيات.

وقررت الوطنيات التونسيات الاعتكاف بجامع الزيتونة ابتهالا إلى الله واحتجاجا على عمليات القمع وتقوية لروح الجهاد، وشرعن في الاجتماع بالمسجد يوم 21 فبراير حتى غص بهن على اتساعه، واكتظت رحاب الجامع الأعظم بجمع التونسيات، وبدأن في الصوم وعلى رأسهن بعض الأميرات. وحاصرت الجيوش الفرنسية الجامع، وفي اليوم الثاني من الصوم والاعتكاف قامت بعض النسوة خطيبات على المنبر معلنات عن إرادتهن في أخذ قسط وافر من الجهاد لجانب الرجال. وكان لكلام الأميرة فاطمة أعظم الوقع، وهي حفيدة الملك الشهيد محمد المنصف، وجاء بعض مشايخ الزيتونة وخاصة الشيخ المختار بن محمود الذي حرض المؤمنات على الصبر والثبات.

وقد اجتمعت الهيئة التدريسية الزيتونية صباح يوم الأحد التاسع من شهر مارس إثر الاعتداءات المتكررة على الأمة التي تناولت هيئاتها جميعا، ومن بينها شيوخ التدريس وموظفو إدارة المدارس والتلاميذ، وإنه لا يمر يوم إلا وفوج من الزيتونة يساق إلى المحتشدات أو السجون؛ حيث يلاقون الشدائد من رجال البوليس، مما لم يبق معه منزع إلى الصبر، فاجتمعت الهيئة التدريسية للاحتجاج ضد هذه الاعتداءات المقصود منها التنكيل، والفت في عضد الأمة التي آلت على نفسها أن تكافح إلى النهاية في سبيل الوصول إلى مطامعها الحيوية.

تونس الثائرة · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٢٨