تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليست هذه المرة الأولى التي تقطع فيها الوعود للتونسيين، وليست هي المرة الأولى التي ينفد فيها صبر التونسيين، فيتحول استياؤهم إلى مظاهرات شعبية، وقد قوبلت هذه المظاهرات بالقمع وبوعود أخرى.

وليست هي المرة الأولى التي يتهم فيها الزعيم بورقيبة بأنه يعمل لحساب الأجانب، فبالأمس اتهم بأنه يعمل لحساب الإيطاليين، غير أنه لم توجد وثيقة تثبت الاتهام، ثم ألصقت تهمة أخرى بالوطنيين التونسيين، فقيل إنهم يعملون لمصلحة الدعاية الشيوعية، ثم قيل إنهم يأتمرون بأوامر الجامعة العربية، وقد خفت وطأة الاتهامات بعد ذلك؛ لأنه لم يوجد ما يثبتها ويؤكدها.

ونرى من جهة أخرى أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة كانت ترى مسئوليتها حيال القضية التونسية تتمثل في عدم وقوع حوادث وعدم قيام مشاكل، بيد أن الزعم بضرورة الحضور الفرنسي قد اتخذ لتبرير الحيف، وتفسير المعاهدات تفسيرا أنانيا. ومعنى ذلك عدم البحث عن علاج للحالة، وهكذا تمت اللعبة وهي لعبة المعمرين والذين يؤيدونهم في فرنسا، وهم يجدون في ذلك التأييد فائدتهم ولا شك، ولكنهم بعملهم هذا يقترفون جرما؛ لأن الرأي العام في فرنسا يصبح مسئولا وضحية لهذا الختل.

ولطالما استمعنا إلى كلمة تقول: «إننا لن نستمر وإنما نبني صرح الاتحاد الفرنسي»، وهي كلمة ضخمة ولكنها تخفي عكس ما تظهر.

ونحن نكذب عندما نقول إن التونسيين رفضوا التجربة الحاسمة، وإنما الرفض كان صادرا عن الفرنسيين عندما قرروا الانتقال من الوعود إلى الإصلاحات، ولكنها كانت التجربة لأن الإصلاحات لم تتم حسب الوعود.

وقد لخص زعيم الحركة الوطنية بتونس الحبيب بورقيبة الحالة، وما تنطوي عليه من أخطار في مقالة نشرته مجلة «العصور الحديثة» الفرنسية بعث إليها به من منفاه هذا نصه:

إذا كانت التجربة التونسية قد انتهت بعد عشرين شهرا انقضت كلها في الجهود المتحمسة إلى نهاية أليمة تجف بها الدماء؛ فذلك لأن فرنسا لم ترد أن تفهم مطالب البلاد التونسية، ولا ما يمكن أن تحققه هذه البلاد في نطاق السلم والصداقة.

إن ما يطالب به الشعب التونسي ليس هو هذه الإصلاحات الجزئية في نطاق البلديات والوظيفة العمومية، مع الاحتفاظ بسياسة إبقاء ما كان على ما كان، ولكن ما يطالب به الشعب إنما هو استرجاع سيادته السليبة؛ أي المقاطعة التامة مع النظام الحالي.

إن هذه السيادة قد بترت وذهبت أشلاء بفعل معاهدة عتيقة ترجع إلى سبعين سنة خلت، وكانت قد فرضت على البلاد فرضا بواسطة القوة المسلحة، وتبعها فيما بعد غزو هائل احتل البلاد من أطرافها بثلاثة جيوش جرارة يصحبها جميعا تهديد وإنذار لم يترك لجلالة الباي المحاصر في قصره إلا ساعات معدودات ليقرر موقفه من الأمر المقضي.

إلا أن هذا البتر الذي حدث للسيادة التونسية بالقوة في غضون القرن الماضي لم يكن هو كل شيء، بل إنه استتبع فيما بعد أيضا بالقضاء النهائي الذي أنزله المقيم العام على ما تبقى من هذه السيادة؛ ولذلك بالرغم من أن اختصاصات هذا المقيم لا تجيز له - وفقا للمعاهدة نفسها - أن يتعدى كونه واسطة للعلاقات القائمة بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية فيما يتعلق بالشئون التي تهم البلدين (المادة 5).

أما اليوم فإن المقيم - بصورة عملية - هو السيد المطلق في أمره ونهيه بالبلاد التونسية، فالقوانين لا تتخذ صبغتها الشرعية إلا إذا حظيت بموافقته، وهو الذي يراقب جميع الأجهزة الإدارية بالبلاد التونسية، والشرطة والجندرمة تابعة له، وكذلك القوات المسلحة بالبلاد. أما الوزراء التونسيون فليس لهم أي نفوذ، ولا حق لهم في اتخاذ أية قرارات كانت، وهذه الوضعية الثقيلة على التونسيين في عقر دارهم، والتي لا يستطيعون تحملها، هي التي نهض الشعب بقيادة الحزب الدستوري لمحاربتها منذ ثلاثين سنة، وهدفه هو تحطيم هذا النظام الإرهابي.

تونس الثائرة · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٠٣