وإن جلالة الباي ليعلم فضلا عن ذلك أن الحكومة الفرنسية تهتم دائما بأن تكفل بالاتفاق التام مع جلالته حركة التطور الديمقراطي في تونس، ولقد أدلى رئيس الوزارة الفرنسية ببيان أثناء المناقشة التي دارت في مجلس النواب في 22 يناير الماضي، أوضح فيه رأي الحكومة الفرنسية مؤكدا السيادة التي يتمتع بها جلالة الباي، وعني رئيس الوزراء بإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن تفسير المذكرة المؤرخة 15 ديسمبر، وتلا التصريح الذي أفضى به وزير الخارجية في 20 ديسمبر أمام مجلس الجمهورية حيث قال: لقد أخذ علينا أننا أشرنا للمرة الأولى في النص الرسمي إلى مسألة السيادة المشتركة، ولكننا في الحقيقة لم نذكر هذه الكلمة، بل لم نشر إليها أية إشارة.
أما فيما يتعلق بالإصلاحات الخاصة بالمجالس البلدية والتشريعية والإدارية، فسوف تقوم بدراستها لجنة مختلطة بمجرد استئناف المحادثات بين البلدين، ولكي تتمكن هذه اللجنة من الشروع في عملها دون تأخير وأداء مهمتها على أحسن وجه وفي أقرب وقت مستطاع، يجب أن تتألف من شخصيات غير مشغولة بالأعمال الإدارية والحكومية.
ومن الواضح أن مثل هذه المباحثات لا يمكن إجراؤها ما لم تسحب تونس الشكوى التي قدمت إلى الأمم المتحدة ضد فرنسا، وذلك بالرغم من أنه ليس ثمة ما يبرر تقديمها وقبولها، وإن الحكومة الفرنسية لترى أن من واجبها في هذه الحالة أن تذكر جلالة الباي بما سبق أن تقدم به في هذا الشأن المقيم العام.
ورغبة في العمل فورا على إزالة العقبات التي تحول دون استئناف المحادثات التي توقفت بالرغم من إرادة فرنسا، ترى الحكومة الفرنسية أنه عليها أن تطلب في إلحاح الرد على هذه المذكرة في أقرب وقت، وأن الحكومة الفرنسية ستجد نفسها مضطرة - إذا لم تتلق الرد سريعا - إلى إطلاع الرأي العام على أنها ليست مسئولة عما يترتب على عدم استئناف المحادثات من نتائج خطيرة.
فأجاب جلالة الملك بمذكرة فند فيها أقوال الحكومة الفرنسية بإيضاح، وصرح بتضامنه الكامل مع شعبه الجريح:
رد جلالة الباي بتاريخ 5 فبراير 1952
اطلع جلالة الباي على المذكرة الفرنسية التي بعث بها إلى جلالته المقيم العام الفرنسي في تونس يوم 30 يناير، وقد سجل جلالته الرغبة التي أعرب عنها رئيس الحكومة الفرنسية لإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن المذكرة الفرنسية المؤرخة في 15 ديسمبر من العام الماضي، والتي أدت إلى قطع المفاوضات بين تونس وفرنسا، وإن جلالته إذ يسجل ذلك يلاحظ أنه قد اقتصر على الإشارة إلى التصريح الذي أفضى به المسيو روبير شومان وزير الخارجية أمام مجلس الجمهورية في 20 ديسمبر سنة 1951، دون أن يذكر ما يبدد كل شك فيما يتعلق بعدم التوافق بين اشتراك الفرنسيين في تونس في الشئون السياسية للبلاد وبين المبدأ الخاص بوحدة السيادة التي يهمنا توكيدها.
ولا حاجة إلى القول بأنه ستتخذ - صونا لهذه السيادة على أكمل وجه - التدابير الكفيلة بحفظ المصالح العليا لفرنسا ومصالح الرعايا الفرنسيين في تونس.
أما فيما يتعلق بالنقط الأخرى التي أشارت إليها المذكرة سالفة الذكر، والتي لم تخرج عن أنها كررت المطالب التي جاءت في مذكرة سابقة؛ فقد جاء الرد عليها في خطاب أرسل بتاريخ 17 يناير ويحسن الرجوع إليه.
ولقد تأثر جلالة الباي تأثرا عميقا لأعمال القمع الصارمة التي تجري الآن، والتي ألحقت أضرارا خطيرة بسلامة أفراد الشعب وممتلكاتهم، كما أدت إلى المساس بسيادة الدولة، وقد أحاطت الحكومة التونسية المقيم العام الفرنسي علما ببعض هذه المخالفات.
وإن جلالة الباي الذي يهتم قدر اهتمام الحكومة الفرنسية بالمحافظة على الأمن والنظام، لا يسعه إلا أن يسجل أن الحالة لا تتطلب الإسراف في استخدام هذه القوات الكبيرة.