فلماذا نستضعف الرجل فنحمل عليه، ونظلمه هذا الظلم البين، ونهاب الجنس (المخيف) أن نقول لأهله كلمة أو نشير إشارة؟.
وأين المساواة بين الجنسين التي ندعو إليها دائما، ونتجمل بترديدها، ونتباهى بها، ونحن لا نفهم معناها، ولا ندري علام تدل وإلام توصل؟.
...
وهل أنفرد هذا الرجل وحده بلبسه غير لباسه، وتزييه بغير زيه؟ ألسنا نرى كل يوم أناسا يتزيون بزي الصالحين، ويحملون سبحات المسبحين، ويقومون في المساجد مع المصلين، ثم لا تعاملهم إلا غشوك، ولا تخبرهم إلا وجدتهم طلاب مراتب ورواتب، أو باغي (¬1) منافع، ولا تراهم إلا متزلفين لكل صاحب سلطان، خاضعين له، يؤثرون رضاه على رضا الله، ويخافون غضبه أكثر من غضب الله. إذا رأوا الحرام منه خرسوا عنه، وإن رأوا المكروه من غيره أقاموا الدنيا عليه.
ومشايخ طرق ظاهرهم مع مريديهم ظاهر الفقراء الزاهدين، وحقائقهم مع أهليهم وإخوانهم، حقائق الفساق الذين ينتهكون كل حرمة، ويبتغون كل لذة، ويعيشون حياة ليس فيها شيء لله ولا للشرف.
أولسنا نرى كل يوم عملاء للأجانب، يدرسون على حساب الأجنبي في مدارسه، ويتربون على يديه، ويسبحون بحمده، يتوجهون أنى وجههم، ويعملون له فيما استعملهم، ويعرفهم الناس صنائعه وعبيده، يلبسون فجأة ثياب الوطنيين المخلصين، أو دعاة الدين الصالحين، ثم يدخلون (بأمر الأجنبي) الحزب أو الجمعية، فلا يلبثون أن يكونوا هم أربابها، وأن يقصوا عنها أصحابها ثم يصرفوها لمصلحة الأجنبي، يخدمونه وهم يسبونه، قلوبهم وأيديهم معه وألسنتهم عليه، وعملهم لمصلحته وإن كانت ظواهرهم لمحاربته؟.
(¬1) أي قاصدي.